لهب....لهب....لبنان صيفك لهب         حجر أحراش الجنوب....لهب         البقاع أخضرك ويابسك لهب       إلا   ....  إلا رجالك…. من عجب             عجب ....  عجب  …لبنان  عجب

الصفحة الرئيسية مقال من صحيفة السفير اللبنانية

مقال من صحيفة السفير اللبنانية

طباعة PDF

 

الصين أكثر تشدداً من روسيا في الملف السوري: احتمالات الحروب تزداد
داود رمال
الصين أكثر تشدداً من روسيا في الملف السوري: احتمالات الحروب تزداد
يتناول تقريران دبلوماسيان الموقفين الصيني والأميركي من التطورات العاصفة في المنطقة. ويتمحور الأول، ومصدره عاصمة دولة أوروبية بارزة، حول تشدد الصينيين في مواجهة محاولات غربية وعربية وإقليمية تسعى لإسقاط النظام السوري، بينما يتناول الثاني ومصدره العاصمة الأميركية، نظرة خلية عمل في الادارة الأميركية لمستقبل الشرق الأوسط، في ضوء تنامي ظاهرة صعود الإسلاميين في المنطقة.
جراحة الوخز بالإبر الصينية
يتحدث التقرير الدبلوماسي الأول عن الموقف الصيني من الأزمة السورية وتكامله مع الموقف الروسي. ويعطي مثالا على صلابة ومتانة الموقف الصيني بالكشف عن حادثتين حصلتا مع بكين مؤخرا:
الأولى، عبر سفارتها في باريس، ففي احدى جلسات المحادثات الصينية ـ الفرنسية، انبرى السفير الصيني في العاصمة الفرنسية الى القول لمحدثه في وزارة الخارجية الفرنسية ان الفرق بين موقف بلدينا (الصين وباريس) من الأزمة السورية «هو فرق ثقافي ـ علمي.. فأنتم تؤمنون بالجراحة القطعية ونحن نؤمن بجراحة الوخز بالإبر».
الثانية، قيام السعودية وقطر بممارسة ضغط على الصين لدفعها الى تعديل موقفها من النظام السوري. وقد تمثل ذلك باتصال مسؤول سعودي كبير بنظيره الصيني طارحا عليه أمرين، أولهما أن الحفاظ على علاقاتكم الاقتصادية مع دول الخليج العربي «لا يمكن أن يستمر ما لم تعد بكين النظر بموقفها من الأزمة السورية»، وثانيهما «اذا استمر موقف بكين على حاله من الأزمة في سوريا فإن التبادل النفطي معها سيكون عرضة للضرر».
ويضيف التقرير أن جواب المسؤول الصيني على المسؤول السعودي، شكل صدمة للثاني، حيث أبلغه بلهجة حاسمة لا تخلو من الحزم ان بكين «ضد ان تتحكم جهة واحدة في تصدير النفط في اي منطقة وإلى اي منطقة في العالم. وهي بالتالي لن تسمح ولن تقبل ان يمارس ضدها أي ضغط نفطي، وإذا حدث فإنها لن تكتفي بمقاومته ووقفه بل ستعمل فوراً من اجل خلق معادلات عالمية ضد احتكار توزيع النفط العالمي».
مفاجأة ديبلوماسية تنتظر الموفد الدولي
ويكشف التقرير الديبلوماسي ان الاجابة الصينية التي أربكت المسؤول السعودي وصلت فوراً الى مسامع واشنطن وسارعت الى وضعها تحت مجهر العناية الفائقة لتشريح معناها الاستراتيجي، ما دفع واشنطن للطلب من السعودية وقطر سحب تهديدهما النفطي بسرعة من السجال السياسي مع الصين قبل ان ينتقل الموفد الدولي كوفي أنان الى بكين آتيا من موسكو.
وكانت المفاجأة الدبلوماسية أن أنان الذي كان يتوقع ان يجري محادثات في بكين مع وزير خارجيتها يانغ جيه تشي، على غرار محادثاته في موسكو مع وزير خارجيتها سيرغي لافروف بحسب البروتوكول وتبعا لموقعه كمبعوث خاص للأمم المتحدة، فوجئ بأن بكين وجهت اليه رسالة سياسية معبرة تمثلت في استقباله من قبل رئيس مجلس الدولة الصيني ون جيا باو الذي يعتبر الرجل الثاني في الصين بعد اعتذار وزير الخارجية عن عدم الحضور لمرافقته الرئيس الصيني هو جين تاو في جولته الآسيوية التي شملت كلاً من كوريا والهند وكمبوديا.
ماذا سمع أنان من الرجل الثاني في الصين؟
وفق التقرير الدبلوماسي نفسه، فقد أبلغ المسؤول الصيني الكبير ضيفه الأمين العام السابق للأمم المتحدة المواقف التالية:
اولاً، رفض بكين القاطع لانفلات الوضع في الشرق الأوسط، لأن هذا الأمر في حال حصوله سينتج واقعاً إقليميا جديدا، وبالتالي ستجد بكين نفسها مضطرة لتغيير استراتيجيتها التي تقوم على استمرار تعزيز وتوثيق علاقتها بالولايات المتحدة، وهذا ما يهدد بالانزلاق الى حيث لا ترغب الصين في التصادم مع واشنطن، وبناء عليه فإن اي معالجة للأزمة السورية يجب ان تأخذ موقف بكين من هذا الموضوع في الاعتبار.
ثانيا، ان إطاحة النظام السوري ستؤدي الى فوضى في منطقة الشرق الأوسط وهو أمر ترفضه الصين ولا ترغب بحدوثه إطلاقاً.
ثالثا، تلاحظ بكين ان التغييرات التي بدأت تحصل في منطقة الشرق الأوسط منذ مطلع العام 2011 زادت من احتمالات اندلاع حروب جديدة بين القوى الاقليمية، ما يهدد المصالح الاقتصادية العالمية، وهو أمر تعارضه بكين بشدة.
رابعا، لاحظت بكين ان «الربيع العربي» الذي قام في الأساس من اجل السعي لتحقيق الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية انحرف عن مساره وبدأ يسوّق لوصول قوى دينية متشددة الى الحكم لإقامة انظمة اسلامية اصولية تهدد في حال قيامها الأمن القومي الصيني وهذا ما ترفضه بكين وستواجهه حتى النهاية.
خامسا، ان بكين ترى ان التدخل العسكري الغربي والقطري في ليبيا اضافة الى دعم السعودية وقطر للمعارضة السورية بالسلاح والمال والإعلام حوّل «الربيع العربي» الى «خريف عربي».
سادسا، ان بكين اكثر رغبة من غيرها في حل الأزمة السورية ولكنها ترى ان موقع سوريا الجيو سياسي المهم في الشرق الأوسط هو المفتاح لاستقرار المنطقة او عدمه. وهذا الأمر يحتم على الأسرة الدولية المساعدة على ايجاد حل سياسي سلمي للأزمة السورية عبر تحقيق الاصلاحات السياسية المنشودة من الأعلى الى الأسفل، وهذا التحول السياسي التدريجي في النظام، ترى بكين انه ستكون له آثاره الايجابية الكبيرة سواء على الوضع الداخلي في سوريا او على الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
سابعا، بناء على ما تقدم، أبلغ المسؤول الصيني الكبير (وهو الرجل الثاني في الصين)، ضيفه كوفي أنان ان بكين ترى ان مدخل الحفاظ على الاستقرار في المنطقة في هذه المرحلة هو الحفاظ على الاستقرار في سوريا وعدم المس بقيادتها.
يخلص التقرير الى تقديم خلاصة للموقف الصيني مفادها أن بكين «تحبذ حاليا بقاء الرئيس بشار الأسد في الحكم وتحبذ في آن معاً رؤية روسيا تتقدم في حضورها ونفوذها الدولي على حدود الصراع العربيالاسرائيلي وعلى مقربة من منابع النفط لأن هذا الأمر يتيح للصين امكان توسيع تفاهمها مع روسيا لاحقاً لرسم خريطة جديدة لتوازن القوى العالمي يضمن مصالحهما الاستراتيجية معاً في الشرق الأوسط وعلى المسرح الدولي».
واشنطن .. و«الفورات العربية»!
ويشير التقرير الديبلوماسي الثاني إلى أن الإدارة الأميركية بادرت الى تشكيل خلية عمل تضم شخصيات تعمل في المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والمالية لتقييم أبعاد «الفورات الشعبية» التي شهدتها بعض الدول العربية لا سيما مصر وتونس وليبيا واليمن والبحرين وسوريا والتي أطلقت عليها تسمية «الربيع العربي».
وخلصت خلية العمل هذه، إلى استنتاج مفاده ضرورة العمل الفوري والسريع على وقف اندفاعة «الربيع العربي» لأنه بات يهدد بخروج الأوضاع، لا سيما في الدول النفطية الحليفة لأميركا والغرب، عن السيطرة، مما يعرض المصالح الاقتصادية ـ الإستراتيجية الأميركية للخطر إذا لم يتم تدارك الأمر قبل استفحاله.
وسجلت خلية العمل الأميركية المشار إليها مجموعة ملاحظات على «الربيع العربي» تمثلت في الآتي:
1. أظهرت الجماعات الإسلامية التي وصلت إلى السلطة في عدد من الدول العربية، عجزها الواضح حتى الآن، في بناء أنظمة تنسجم مع تطلعات شعوبها في الحرية والتقدم والازدهار.
2. أظهرت معظم الأنظمة العربية لا سيما الخليجية الوراثية والتي تعتبر دولها مناطق نفوذ إستراتيجية للولايات المتحدة، عجزها عن إمساك الأرض في بلادها، في ظل التنامي المتسارع للتيارات الإسلامية المتشددة فيها.
ويشير التقرير الى أنه في حال عدم مواجهة هذه التيارات بسرعة، «فإننا قد نشهد انهيارا سريعا لهذه الأنظمة، يهدد المصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة ومنها وجود القواعد العسكرية الأميركية في منطقة الخليج، كما أن من شأن ذلك أن يبعد الولايات المتحدة عن منابع النفط والغاز، ذلك أن منطقة الخليج تحتوي على أكبر مخزون للنفط في العالم وتعتبر المصدّر الأول الى دول العالم من دون استثناء.
3. نجاح النظام السوري في لجم اندفاعة التيارات الاسلامية المتشددة داخل سوريا والتفاف الجيش السوري وباقي المؤسسات الأمنية وجزء كبير من الشعب السوري حوله، «كل ذلك يجب ان يكون حافزاً للإدارة الأميركية لإعادة النظر في سياستها الداعمة لوصول الجماعات الإسلامية الى السلطة في سوريا وإلى لجم «الربيع العربي» عند عتبة البوابة السورية والسعي الى وضع ضوابط تكبح الاندفاعة الإسلامية في باقي الدول العربية لا سيما في مصر التي تعتبر حلقة إستراتيجية ضامنة للمصالح الأميركية في المنطقة.
ويقارب فريق في الإدارة الأميركية التطورات المصرية من زاوية أن مصالح واشنطن باتت مهددة بعدما كشّر التيار الإسلامي المتشدد فيها بجناحيه («الإخوان المسلمون» و«السلفيون») عن أنيابه وأعلن رغبته في الوصول الى رئاسة الجمهورية ورشح ممثلين عنه لخوض الانتخابات الرئاسية (نموذج وقف تصدير الغاز لاسرائيل شكل عنصر قلق لكل من تل أبيب وواشنطن).
هل ينقلب السحر على الساحر؟
وتوصلت خلية العمل الأميركية في ضوء ملاحظاتها هذه الى مجموعة توصيات رفعتها الى الادارة الأميركية أبرزها الآتي:
أولا، ضرورة إسراع واشنطن في غسل يديها من «الربيع العربي»، على ان يسري ذلك ايضا على حلفاء واشنطن الأوروبيين لا سيما فرنسا.
ثانيا، الطلب من الحلفاء الخليجيين لا سيما السعودية وقطر التوقف عن دعم هذه المجموعات المتشددة كي لا ينقلب السحر على الساحر، ويؤدي بالتالي الى غرق المركب بمن فيه ويخسر الجميع بمن فيهم اميركا والأوروبيون ويؤدي ذلك الى تحويل العالم العربي الى بؤرة توتر وصراعات قبلية وعشائرية وطائفية ومذهبية تصعب السيطرة عليها مستقبلا، الأمر الذي من شأنه أن يطيح المصالح الحيوية والاستراتيجية العسكرية والاقتصادية الأميركية والأوروبية في الشرق الأوسط ويهدد بشكل مباشر أمن اسرائيل ووجودها.
ثالثا، الطلب من الحكومة التركية وخاصة رئيسها رجب طيب أردوغان أخذ هذه التوصيات والملاحظات والتحذيرات بعين الاعتبار ووقف اندفاعته وحكومته صوب الحركات الاسلامية المتشددة حفاظاً على المصالح الأميركية والغربية في المنطقة.
رابعاً، النظر بجدية للموقف الصيني والروسي الداعم للنظام السوري والتعامل معه بجدية وأخذه على محمل الجد. والاستفادة منه ايجابياً لوقف تنامي الأصوليات الاسلامية المتشددة في العالم العربي حفاظاً على الاستقرار العالمي والسلم والامن الدوليين.
يتوقف التقرير الدبلوماسي عند الوضع اللبناني من زاوية النظرة الى مجمل الواقع العربي. ويقدم الأميركيون نصائح الى «اصدقائهم اللبنانيين» بوجوب عدم التورط في «المستنقع السوري»، وأن ينخرطوا بفعالية في اطار سياسة «النأي بالنفس» التي اعتمدتها حكومة لبنان، في التعامل مع الملف السوري ومع ملفات اقليمية أخرى منها الملف النووي الإيراني، مع التشديد على وجوب الاستعداد لمحطة الانتخابات النيابية في العام 2013 والتي يؤمل أن تعيد الاعتبار الى «ثوابت ثورة الأرز».
في واشنطن، حسب التقرير، ثمة قناعة بأن الحكومة الحالية ستستمر حتى الانتخابات النيابية، وأن الأولوية حاليا هي للاستقرار اللبناني، «لأن هذا الزمن هو زمن الحراك السوري» وهو التعبير نفسه الذي استخدمه مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان خلال الاحتفال الذي شهدته واشنطن بالذكرى السابعة لحركة 14 آذار.
النقطة الثانية لبنانيا أن الاستقرار في الجنوب ضرورة لبنانية وإقليمية ودولية تحت سقف القرار 1701 وتعزيز دور «اليونيفيل»، فضلا عن دعم جهود الجيش اللبناني لمحاربة الارهاب وحماية الحدود.
السفير