لهب....لهب....لبنان صيفك لهب         حجر أحراش الجنوب....لهب         البقاع أخضرك ويابسك لهب       إلا   ....  إلا رجالك…. من عجب             عجب ....  عجب  …لبنان  عجب

المعرفة

طباعة PDF

في إطار قناعتي، أن الله الذي خلقنا شعوبا وقبائل لكي نتعارف، أنزل هذا الباب. التعارف المقصود هو الانفتاح على الآخر وليس الانصهار أو الذوبان فيه. بمعنى أن للآخر خصوصيات والتواصل معها هو أساس الإثراء زيادة عن التقارب والمودة. من هذا المنطلق فلكل مرجعياته نظرا لخصوصياته. و من واجبنا احترام هذه الخصوصيات بيننا البين ثم داخل كل فضاء ثقافي أو حضاري على الجميع المحافظ على هذا الجانب المهم من الذات والتمسك به

 

التعارف المقصود هو الانفتاح على الآخر وليس الانصهار أو الذوبان فيه. بمعنى أن للآخر خصوصيات والتواصل معها هو أساس الإثراء زيادة عن التقارب والمودة. من هذا المنطلق فلكل مرجعياته نظرا لخصوصياته. و من واجبنا احترام هذه الخصوصيات بيننا البين ثم داخل كل فضاء ثقافي أو حضاري على الجميع المحافظ على هذا الجانب المهم من الذات والتمسك به</p> <hr id=">وقعت مراجعة شاملة لهذا الباب ... مع الإعتذار.  أما سبب هذه المراجعة فهو أني بصدد الاجتهاد لوضع نظرة كاملة متكاملة للخروج من العقم الذي آل له المسار الإنساني بصفة عامه ومسارنا الحضاري العربي الإسلامي بصفة خاصة ولهذا كل ما أقدمه ليس بنهائي ولكنه قابل للتحوير هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته . مع الشكر

المعرفة الذهنية باب من أبواب العلم

المعرفة ضاهرها وباطنها باب من أبواب العلم

الإيمان باب العلم والمعرفة

العولمة في ثوبها المعرفي... هي اكبر جريمة ضد الإنسانية

اختزال  الثراء المعرفي الإنساني في ثقافة العولمة جريمة ضد الإنسانية

وإذا كان الإيمان هو باب العلم والمعرفة ؟

المعرفة الذهنية باب من أبواب العلم

لا معرفة ذهنية بلا علم. العلم أساس هذه المعرفة. بذلك تكون المعرفة بنت العلم الذي جبل عليه آدم وذريته. "وعلم آدم الأسماء كلها". . .  مضمون هذا التعليم معطى ... ولا دخل للتجربة فيه .  التجربة هنا بالمعنى الفلسفي للكلمة .  الخلط الذي وقعت فيه الفلسفة لا بد من تجاوزه . من لا يعلم لا يمكن أن يعرف . المعرفة المقصودة هي المعرفة الذهنية ولا أقصد أنواع المعرفة الأخرى و الإستشراقية  واحدة منها  لا تحتاج لهذا التمشي.  بذلك يكون العلم ملكة تصعب المعرفة  في غيابها. لذلك سيكون العلم أحادي المصدر ... والمعرفة متنوعة . تنوع المعرفة من استحالة الوقوف على مصدرها الأصلي و توق العقل البشري إلى هذه المعرفة الممنوعة .

قلت لا أقصد أنواع  المعرفة الأخرى .  لماذا ؟ لأن هذا النوع من المعارف لا يحتاج إلى تعليم ذهني .  وأكبر معجزة في هذا الشأن النبي الأمي صلوات الله وسلامه عليه . و قبله كانت معرفة آدم لخالقه . " وعلم آدم الأسماء".  للتعلم لا بد من معلم ، ولا بد من معرفة هذا المعلم حتى تأخذ منه.  ولا يمكن أن يكون آدم قد عرف خالقه بذهنه بما أن ذهنه لم يسوى بعد .  وكذلك فإن آدم لم يصف لنا خالقة وصف معاينة .  وعلم إبراهيم و موسى(عليهم وعلى نبينا أفضل السلام) اليقيني بوجود خالقهما لم يمنعهما من طلب رؤيته مباشرة  ولكن الأكيد أنها لم تكن معرفة معاينة . وهذه كلها من أسرار الإيمان بالغيب .

لنحاول تتبع  أمر المعرفة الذهنية منذ بداية الخلق .  أرادت المشيئة الإلهية خلق مخلوق مختلف ومتميز عن بقية الخلق.  وقبل خلقه أعلم الملائكة بذلك مع أمرهم بالسجود له أثناء تقديمه لهم.  ثم تمت العملية .  خلق جل وعلى  آدم بيديه ونفخ فيه من روحه ثم بعد ذلك تأتي العملية المميزة لآدم :  خصه المولى بعلم لم يعطه أحدا من قبله "علمه الأسماء كلها " والمقصود هنا وإعطاءه  نعمة العقل " أي ملكة المعرفة العقلية .  لما استوت هذه الأبعاد أمر الخالق  آدم أن يسكن هو وزوجه الجنة .  ولا بد من الوقوف هنا لحظة .  لماذا  ؟ لأن المولى جل وعلى قبل خلق آدم أعلم ملائكته ... "أنه جاعل في الأرض خليفة. " ويأتي الأمر لآدم  لكي لا يسكن الأرض التي خلق لخلافتها بل الجنة .  إذن لا يمكن أن تكون هذه الجنة التي سيطرد منها آدم هي جنة الجزاء .  بل جنة أخرى وسط بين جنة الجزاء الموعودة في الآخرة والأرض الذي سيتولى خلافته فيها .  هنا سؤال يطرح نفسه : هل لهذا معنى ؟ نعم وبالتأكيد .  هذا المكان الوسط هو الذي سيتعلم فيه آدم استعمال عقله .  كيف ستتم هذه العملية ؟ هذه العملية تمت كالآتي والله ورسوله أعلم .  وقع تمكينه وزوجه  من المكان وأعطاهما حريتهما فيها مع أمر لم يألفاه من قبل : النهي .  كيف تمكن قراءة وقع هذا النهي عليهما رغم قبولهما الأمر بدون نقاش كما يقال .

أقف هنا قليلا لآخذ مثالا من حياتنا اليومية .  عندنا في علم النفس التحليلي قاعدة متفق عليها .  هذه القاعدة تتمثل في كيفية إخراج الطفل من عالمه الخيالي إلى الواقع الذي سيعيشه في اجتماعيته  .  أساس هذه العملية هو الحرمان .  الحرمان هو الذي سيعين الصبي على تجاوز عالمه الخيالي إلى الواقع الإجتماعي.  وأول هذه الحرمانات يتمثل في الفطام .  يحرم الطفل من ثدي أمه عمدا لكي يتمكن من التخلص من التبعية التي كانت تربطه حياتيا بأمه .  قبل الفطام الطفل ليس له وجود ذاتي منفرد عن أمه.  الطفل كما يقول الدكتور جاك لاكان لا يزال يعيش في حالة انصهار تام مع أمه .  وبالفطام يرج في كيانه ولكن هذه الرجة سليمة وهي حيايتة بالنسبة للطفل وإلا حكم عليه بالبقاء دون إنسانيته . يزلزل الإنسان في كيانه ليمر من حال إلى حال أو من طور إلى طور.  وهذه من سنن الله في خلقه وأضرب على ذلك مثالين . الرجة القوية الأولى التي يمر بها الإنسان تقع أثناء نفخة الروح .  الجنين قبلها يكون في سبات عميق وإذا به يزلزل في كيانه زلزلة  يتعرى فيها على خالقه ومن خلال ذلك يبدأ وعيه بذاته ... ولن يتوقف وعيه بنفسه في الحالات السوية إلا عند الموت ، وحتى في النوم وعيه بذاته لا يتوقف .  والمثال الثاني يخبرنا به المولى على البعث ، يوم الحشر عندما ينفخ في الصور فيذهل الكل إلا من أراد الله استثنائه.

هذا المثال سيعيننا على فهم البيداغوجية ، إذا صح التعبير، التي اتبعها المولى مع آدم لتمكينه من التمرس على استعمال عقله وعلى الخروج من تبعيته المطلقة لخالقه ليبدأ رحلته الإنسانية والتي سيعتمد فيها على عقله عوضا عن فطرته .  الجنة التي كان يعيش فيها لا يضمأ فيها و لا يجوع ولا يشقى ولا يتعب ... هذاالنمط  لا يمكن أن يكون هو النموذج في حياته على الأرض . لذا كان ... ولا بد من الحرمان .  ويتمثل الحرمان هنا في النهي"و يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة... "(هذا يذكرنا بحال الطفل الذي لم يعهد إلا ثدي أمه وبين عشية وضحاها يقال له : "كل من حيث شئت ولا تقرب ثدي أمك " . أدم لم يألف هذه الطريقة من المعاملة ... هو المخلوق" المدلل" المميز الذي يتباه  به خالقه أمام بقية مخلوقاته من ملائكة وجان .

اللذة المطلقة ،اللذة الحرام ، كما تسميها الشرائع هي اللذة الغير مقيدة التي كان يتمتع بها  في الجنة لا يمكن أن تكون المناسبة لواقع حياته على الأرض . شاءت الحكمة الإلهية تدريبه على التخلص منها وهذا بتدريبه على قبول الواقع الذي خلقه من أجله : العيش على الأرض و هي في الواقع سبيلنا لتخليص الطفل من سيطرة خياله . . النهي إذن  هو نوع من الفطام الذي لا يقبل بطيبة خاطر . فلا أحد يتخلى عن حق مكتسب برضاه .  ما الذي يدلنا على ذلك في قصة آدم وحواء وخاصة انهما قبلا الأمر بدون نقاش ؟ لم يكن تجوابهما مع إبليس عن غباء أ وعن جهل لتحذير المولى لهما من عداوة إبليس وحيله ومكره وغوايته ... فقط ، بل أعتقد والله ورسوله أعلم أن النهي حز في نفسيهما ولكن تخلقهما مع الله هي التي منعتهما مساءلة المولى عن سبب هذا الحرمان مع التذكير أن السؤال عن سبب الحرمان ليس معنا عدم قبول الأمر...  وهذا ما نكتشف مخلفاته عند بعض الناس في التحليل النفسي . فالمنهي عن أمر يتساءل بينه وبين نفسه هل عمل شيئا( أقول شيئا لأنه في البدايه لا يعرف الذنب ، الذنب هو مفهوم أخلاقي ثقافي يأتي في مرحلة متأخرة) يستحق عليه العقاب .  وعندما ينضج عقله يتبين قانون السببية أي لا وجود لشيء بدون سبب فيسقط فهمه هذا اللاشعوري على النهي الأول الذي تعرض له فيربطه بخطإ مفترض قام به استحق عليه العقاب : الرفض . ومن هنا يتكون الشعور بالذنب. إذن المولى جل وعلى اختار هذه الطريقة ليبرز في آدم بشريتة  بعد أن مكنه من إنسانيته وذلك بتحريك عقله الكامن فيه ومن ورائه إرادته. وبهذا تكون إنسانية الإنسان تبرز بحضور المولى أما بشريته هو المسؤول عن بروزها ...  في وطن خلافته .

سنة العليم اقتضت أن يكون هذا العلم أنواع ، أصناف... ولكل صنف مراتب.  بإيجاز و حتى نتكلم لغة مبسطة يفهمها الجميع تقريبا نقول عندنا علم ظاهر وعلم باطن.  وهما جانب من جوانب الأمانة التي وكل بها الإنسان. حيث أؤتمن العقل بالجانب الظاهر في مهمة محددة له: الوقوف على التدبير الإلهي كيف أحسن كل شيء خلقه  بتقديره لكل شيء سلطان، قانون ثابت يسير عليه. هذه سنة الله في خلقه. مهمة العقل هو اكتشاف هذه النواميس على أن يكون هذا باب للإيمان بواضعها. هذا العلم سيعرف تنوعا كبيرا... وهذه لعدم مقدرة الفرد استيعاب كل ما أودع في الكون من تنوع. وهذا ما سنحاسب عليه في السؤال : وعمرك فيما أفنيته ؟ بمعنى لقد خلقتك وميزتك بهذا العقل عن جميع المخلوقات لتقف باختيارك على هذا الجانب من عظمتي ومقدرتي لتكون عبادتك لي عن دراية... فهلا فعلت ؟ وهذا العمل هو رأس العمل الصالح في اعتقادي والله ورسوله أعلم. ومن التدبير الإلهي الإعجازي أن موضوع هذا العلم متغير غير ثابت ولا قار لأن كل ما في الكون متغير. " السماء بنيناها بأيدينا وإن لها لموسعون " (الذريات 47  )0            أفلا ينظرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون" (الأنبياء 44). من هذا المنطلق يصعب على المرء اكتشاف قوانين قارة ثابتة لا في الفيزياء ولا في أي ميدان آخر في عالم غير قار ولا ثابت ولا الوصول من خلال هذه القوانين لواضع القوانين. فالباحث على حقيقة الخلق من هذا المنطلق نتمنى له الصبر وطول العمر كما يقال.

أما الصنف الثاني  من العلوم هو علم القيام بالعبودية الخالصة. وهذا من البديهيات لأنه بعد الوقوف على حكمة الخلق لا بد من الوقوف على المبدع مع التذكير أن هذه المعرفة لا يمكن أن تكون  معرفة مشاهدة ولو كان ذلك ممكنا ما حرم المولى عبده موسى من ذلك لما سأله تكريمه برؤيته. بداية كيف يمكن للعقل المكلف بالمهمة الأولى أن يكون هو نفس المعول المكلف  بالمهمة الثانية؟ فهذا لا يستدعي كثيرا من الذكاء  بل يستدعي فطرة سليمة لفهمه. إذن لا بد من آلية لهذه المهمة. هذا الصنف لا يتناقض مع النوع الأول  أي مع العقل ومكتشفاته ولكن سيكون حجة الله على العقل. وهذا العلم هو علم خاص ولا يمكن أن يكون مشاعا بين جميع البشر نظرا لطبيعته ووسيلة تلقيه.  وهو علم الأنبياء والرسل. على أن هذا العلم هو معطى ولا دخل للفرد بعقله فيه. مع أن العلم الأول يفتح للفرد فيه بعد التفكر والتروي وليس قبل. لأن المولى هو مصدر الإلهام للعقل وليس للهمة فقط.

إذن هناك علم نظر وعلم تدبر. علم النظر تابع للقيام بالعبودية.  وهو كما ذكرت علم خاص.  خاص بالأنباء والرسل وأولياء الله.  علم لا دخل للعقل فيه... وهو ما أسميته بعبارة ميسرة علم الباطن ومركزه الفؤاد. (ما كذب الفؤاد وما رأى (النجم). وهنا الفرق بين أمنية سيد الخلق الغير معبر عنها في معرفة المولى لما كان قاب قوسين أو أدنى من المولى جل وعلى ، وطلب ، سيدنا موسى عليه وعلى نبينا افضل الصلاة و أزكى السلام  رؤية المولى فأدب بطلبه هذا، لأن العين ليست الوسيلة للمعرفة واستجيب لمحمد عليه افضل الصلاة وأزكى التسليم لأن الهمة هي الوسيلة للمعرفة وليس العين أي الحواس. العين ترى ولا تعرف. وكما العاقلة للعقل عندنا الهمة للفؤاد. ولو تعلقت همة المرء بما وراء العرش لناله. والمولى  هو مصدر الإلهام وحده ولا دخل للعاقلة  فيه، وكما العاقلة رهينة روافد ملاحظاتها ومعارفها: الحواس.  للهمة كذلك روافدها وعلى رأسها الروح وكذلك الفطرة السليمة والعقل الباطن.

من هذا المنطلق استحالة التناقض بين هذين النوعين من المعرفة...  وأود أن أوفر على كل من يشك في هذا   جهد عناء  البحث عن وجود الله أو عدم وجوده وأن يجد لنا تناقضا واحدا بين هذين النوعين من العلم. لأنه بذلك يثبت  أن هناك أربابا مختلفة(سبحانه وتعالى عما يشركون). علمان مختلفان ولكن غير متناقضين وبديهي أن لا يكونا متناقضين لأن القانون المسير للطبيعة  ليس من إفراز الطبيعة ولا من حكمة الصدفة كما يتوهم الكثير. وكذلك الإلهام ليس من اجتهاد الأنبياء. لأن كلمة الأنبياء كلمة مسبوقة( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى  نوح والنيئين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب و الأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داو ود زابورا) (النساء 163).  وكلاهما من مدبر واحد. والتكامل الإعجازي الأهم من هذا أن المتدبر آيات الله في خلقه، بمعنى في الضواهر الطبيعية  للكون، يقف على نفس حقيقة المتدبر في نفسه. "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يعلموا أنه الحق..."(فصلت)

فوق

 

2- المعرفة ضاهرها وباطنها باب من أبواب العلم

العلم الظاهر معطى مشاع للعامة كل حسب استعداده أي حسب الدور المناط بعهدته من لدن الخبير العليم. أما العلم الباطن هو لخاصة الخاصة للأنبياء و الرسل وهم ليسوا سواء فيه فهناك تفاضل بينهم.

العقل والهمة كل مجبول على التنوع وهي ودائع الله ولا دخل للبشر فيها. لماذا ؟ لأن الرسالة المناطة بالبشر مقدرة سلفا. ولا دخل للفرد فيها لا في التوقيت ولا في الكيفية، كيفية الأداء. من هذا المنطلق كان التنوع والتفاضل حسب المهمة المعطاة  لكل منا وحسب مستلزمات الخلافة.

العلم الباطن والعلم الظاهر هما حجة الله على خلقه، الخلق بتنوعه من أمي الحرف إلى أمي الكلمة. شاءت مشيئة الخبير أن يكون أمي الحرف هو الحجة على أمي الكلمة. أمي الكلمة ومهما تعددت معارفه وشهائده لا يأتي بما أتى به أمي الحرف محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. ليكون المصطفى هو الحجة الحية على العقل أي كل ما يمكن للعقل أن يتوصل له عن طريق التدبيرإلا وأشار له التنزيل في كتابه العزيز( وما فرطنا في الكتاب من شيء). ولكن العكس مستحيل... ما تأتي به همة الأنبياء يستحيل على العقل أن يصل إليه بالتفكير. وهنا تتنزل إحدى ركائز الإيمان. الإيمان بالغيب.

إذن بعد تحديد الرسالة وضعت الآلية. لاكتشاف القوانين المنظمة والمسيرة للطبيعة. وكذلك الآلية السابرة لأغوار الإنسان في بعده الإنساني الوجودي: الهمة. والملفت للانتباه هو أن كلما أفسدت يد الإنسان البيئة التي يعيش فيها إلا وانعكس ذلك سلبا على صحة الإنسان النفسية والعقلية والبدنية. وهذا دليل آخر على أن ما تعتبره الفلسفة العقل الخالص هو في الآخر غريزة كباقي الغرائز إذا ما قطع من روافده الإنسانية  ووهم يكتوي  الغرب الآن بنيران عواقبه في جميع مجالات الحياة. وإلا من كان يظن أن نعمة العقل الذي خلصها الهلينيون  من شوائبها وسمى بها الفكر الإسلامي إلى قمم لم تطأها قدم الإنسان من قبل واهتدى بهداها  فلاسفة عصر الأنوار ومن تبعهم  ديمقراطية أعطت للفرد حقه في الإبداع... تنتهي إلى ما انتهت إليه اليوم مجرد آلية للإشباع. إشباع الغرائز، فخنق العقل و أرجعت كل القيم التي ضحت من أجلها الأجيال إلى مجرد "كليشيات"عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير والاعتراف بالآخر اقليات أو أفراد... وهي أقنعة تحتها أستارها  يمارس النهب والقتل والترويع والتجويع والبغاء والشذوذ. ومن وراء هذا المتاجرون المبررون من أمثال فوكوياما ومن حذى حذوه. وحوصر الإبداع الإنساني في العصر الأمريكي في صراع مفترض بين مكونات  الثراء  والإبداع الإنساني وهذا نتيجة الجهل الذي لا يفرق بين الدين والديانات. فالدين سيدي فوكوياما واحد والديانات متعددة، كما العلم واحد والمستويات مختلفة، و كما أن الحضارة واحدة والألسن الناطقة بها مختلفة ونتيجة للخلط المتعمد أو عن جهل فتح باب التعصب والمرض فانتهكت حرمات القوانين الوضعية و الدينية والأخلاقية...مستبدلة الحجة بالكذب والتضليل والترهيب والتسامح بالحقد والكراهية.

بعد وضع الآليات حددت الرسالة. رسالة الخليفة وجدت ليقف الإنسان على عظمة وقدرة القدير الخالق. خلق العقل للوقوف على حسن الإبداع. وكلف  بالوقوف على أثر هذا الإعجاز باكتشافه بعض القوانين المنظمة والمسيرة للظواهر الطبيعية. وكما الطبيعة تحمل أثار نشأتها كما يثبته العلم المخبر في اكتشاف  المخلفات المادية للانفجار الكوني الأول... كذلك النفس تحمل من خلال آلياتها ومرجعياتها  آثار إنسانية الإنسان. كل نفس تحمل هذه البصمات. وبذلك تكتمل الحجة في اتفاق آيات النفس وآيات الآفاق.

العقل حجة الله على الكون، والقرآن حجة المولى على العقل... عن طريق التدبر تحل رموز الكون. ومن هنا لا يمكن أن يكون العقل حجة الله على الخالق لأنه لو كان الأمر كذلك ما الذي يستوجب بعث الأنبياء والرسل. الذي استدعى الرسالات هو التذكير بما أودع في الإنسان حتى لا تبقى حجة على الحق (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم  وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين )(الأعراف 172) ... واكتملت الحجة برسالة سيد الخلق حيث توحد الضاهر والباطن ليصبح العقل وحده حجة الحق على الخلق. حيث يصبح العلم باب الإيمان ويصبح الإيمان نبراس العلم.

في العمل الإنساني إذا وقع القفز على أحد هذه الركائز تكون  النتيجة وخيمة طال الأمد أم قصر. لذا أردت بعملي هذا الرجوع والتذكير بهذه البديهيات.

فوق

 

3 - الإيمان باب العلم والمعرفة

يمكن أن يبدى هذا العنوان خارجا عن عصره. اليوم الجميع يتكلم بالتضخيم وبغنة عن العلم كالباب الوحيد للمعرفة، وأنا أتحدث عن الإيمان كباب للمعرفة. أعذر كل من يفكر أو اعتاد على التفكير من هذا المنطلق مع توضيح مهم على أنه لا إيمان بلا علم بالنسبة لي.

المولى جل وعلى حبانا بالعقل هذا العقل لم يكن ضرورة للعبادة ، هذا بالرغم من تأكيده على أنه ما خلق الإنس والجان إلا ليعبدوه. والدليل على أن بقية المخلوقات" أتقى" من الإنسان بالرغم من غياب العقل عندها. إذا لماذا هذا العقل؟ هو للوصول طوعا إلى حقيقة الوجود. ولهذا الغرض خلق لنا المولى  قوانين ودستورا. لأنه لا يمكن تصور قوانين جديرة بالاحترام خارج دائرة دستور مؤطر وضامن. النواميس هي التي تسير الظواهر الطبيعية و القرآن هو الدستور الموضح لهذه النواميس الدالة على الصانع وقدرته والحام للعقل من التيه ومن الجهد الضائع في تساميه للوقوف على عظمة الخالق في إبداعه من خلال الكون و الظواهر الطبيعية في كل ما صنع وبرأ وذرأ. وهكذا عن طريق العقل يصل الإنسان للإقرار بوحدانية المبدع. وبهذا يكون العقل طريق للإيمان. لأنه لا يعقل أن يكون المولى خلق العقل ليكفر به والعياذ بالله. ولا يعقل كذلك أن يكون التيه الذي عرفه العقل منذ نشأته خارج عن علم الله وإرادته.

التحريف الذي قيد العقل  ليس بشيء خارج على علم المولى ولكن هذا التيه يدخل في باب الابتلاء ليميز الله الخبيث من الطيب.   وتذكرني قصة" البقره"  الموجودة  في ثاني سورة للقران بحال الإنسانية اليوم. هذه القصة ضربت لنا مثلا بليغا في ظلم الإنسان لنفسه. ليعرفوا القاتل أمر المولى بني إسرائيل بذبح  بقرة وضرب الميت ببعضها فينهض ويخبرهم بقاتله. هذا كل ما في الأمر وهو من اليسر ما بعده يسر. ولكن النفوس المريضة اتبعت طريقا آخر طريق العسر فضلوا يناقشون موسى عليه السلام ... ولم يكن الله غافلا عما يعلمون فكلما طلبوا توضيحا إلا وعسر عليهم... والكل يعرف القصة ولكن هذا التعسير ليس بمجاني كما يمكن أن يظن بل لغاية بليغة. لكي يجازي العبد الصالح البار بوالدته. إذن لا يجب أن يفهم أن الابتلاء هو نوع من الانتقام أو  العذاب المجاني. لا أبدا ، ظاهره عذاب وباطنه رحمة لأنها فرصة للإنسان أن يتذكر ويتوب ويرجع. قال المولى جل وعلى مخاطبا رسوله للعلمين كافة" ومهل الكافرين أمهلهم رويدا ". إذن لا يجب اعتبار فتوحات العلم المخبر المادي البحت خارج هذه الحكمة. لذا رفضه مطلقا هو ضرب من الجهل ما بعده كفر. الغير المؤمن هو ضال وليس بعدو ومجادلتهم لا يمكن تكون خارج التربية القرآنية " وجادلهم بالتي هي احسن "

قلت إذن خلق المولى الطبيعة وظواهرها كدليل على وجوده وعظمته. وخلق القرآن كترجمة لهذه العظمة في الكون و كدستور للعقل في تساميه للوقوف على هذه الحقيقة. فكيف يمكن وجود تضارب بين هذين الآيات الثلاثة : القرآن والكون والعقل ؟ مضمون هذه الآيات واحد وكلها تصبو  نحو هدف واحد : الإقرار بوحدانية الخالق"سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكفي بربك أنه على كل شيء شهيد "(فصلت 53) القرآن من جهة والعقل من الجهة الأخرى والكون هو نقطة الجمع والالتقاء بين هذا وذاك. القرآن هو  العالم الموازي للعالم المادي والعقل هو المترجم لهذا وذاك ولكن العقل هنا لا يجب اختزاله في " الجهاز العصبي العلوي" لأن هذا الأخير إذا بتر من روافده الإنسانية أصبح غريزة كبقية الغرائز ، كما بينت سالفا. القرآن يعطي المنهج لفهم العالم المادي. والمنهج لا يكتفي بتفسير الكون والطبيعة وظواهرها فقط كما يفعل العلم المخبر بل لفهمه على حقيقته والوقوف على الحكمة من إيجاده وكذلك الحكمة المودعة فيه. وهنا نفهم دعوة المولى لتدبر القرآن وليس قراءته لقراءته. وهذا رد بليغ على من يدعي أن العلم والإيمان متناقضان. لأنها مهما اجتهدت العقول والآليات والمعاول لن تقف على إبداع المبدع. وما أعظمها شهادة من المولى في حق العلماء وإجلال شانهم "إن الله يخشى من عباده العلماء " من هذا المنطلق تأكيدي على أن الإيمان هو الطريق السيارة للمعرفة الحقة.

فوق

4 - العولمة في ثوبها المعرفي... هي اكبر جريمة ضد الإنسانية

الحياة مرجعيات. لكل ثقافة مرجعياتها التي  تميزها عن بقية الثقافات الإنسانية، وهذا سر من أسرار الثراء والتنوع الثقافي... وعلى هذا الأساس ومن هذا المنطلق يكون التفاعل بين الشعوب والقبائل. (إن خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). هذا التواصل لا يمكن أن يبنى على غير الاحترام المتبادل. ونحن كعرب مسلمين لنا مرجعياتنا الذاتية التي لا بد من احترامها من طرفنا وفرض احترامها على كل متعامل معنا وإلا كان هذا مقدمة ذوباننا واندثارا. وهذا لن يكن نتيجة سوء حظنا ولكن نتيجة تقاعسنا إذا حصل لا قدر الله. تعرف مرجعياتنا  اليوم، في جميع الميادين،   انكماشا وتراجعا مخيفا لأسباب عدة وليس أهمها ولا آخرها ضغط الثقافة المهيمنة. هذا الانكماش كمقدمة للذوبان بالنسبة لترثنا وارثنا  أو لتراث و إرث ثقافات وحضارات أخرى هو إجحاف  في حق مكونات الذاكرة الإنسانية قبل أن يكون في حقنا نحن كعرب مسلمين. لأن الذاكرة الإنسانية مكونة من مجموع التجارب الثقافية عبر العصور والمدون منها لا يمثل إلا النزر القليل. فكل اعتداء على مكون منها ومهما كان حجمه فهو من الجرائم ضد الإنسانية... في اعتقادي. ومن المحزن والمؤسف أن نجد  البعض،  و لتحقيق بعض المآرب الآنية الذاتية،  يركب عن قناعة أو جهالة  أحظان الثقافة المهيمنة ويسارع في هدم مرجعياته بيده... حتى أصبح هؤلاء بفضل ما سخر لهم من وسائل دعاية... يعتبرون نموذج الانفتاح والتقدم، وكل من لا يسير في خطاهم يعد في أحسن الأحوال شاذا (تقليعة قديمة) وفي أسوأ الأحوال إرهابيا المطلوب اجتثاثه من عروقه. هذا لا يعني أنه يجب وضع هذه المرجعيات فوق أي اعتبار على أنها مقدسة لا يجب المساس بها. أبدا بل بالعكس لا بد من تعهدها لتبقى جديدة متجددة.

أردت بهذه المقدمة القصيرة وضع هذا الباب في إطار اهتماماتي العامة ولكني في نفس الوقت أنزله منزلة الصدارة لأهميته وهذا ليس فقط حرصا مني  تطويق الانحدار بل إعطاء حافز عملي لبدء رجوع الوعي والبناء السليم.

البناء إذا أردناه سليما يجب التركيز على الأسا س والأساس في البناء الإنساني هو الأسرة. منها يبدأ وينتهي كل عمل. بناء الأسرة وما يتبعه من إنجاب  أمر محوري في حياة وصيرورة الأمم لهذا قررت البدء به. نعرف اليوم تقدم العلم المخبر الذي نجله ونقدره ونقدر فتحاته في الجانب المادي للتكوين. حيث لا يزال العمل  متواصلا في سبر أغوار هذا البعد ولهذا رفع على الإنسانية كابوس الأوبئة وخاصة المتأتية منها من سوء التغذية(على الأقل في البلدان النامية) والناتجة عن قلة النظافة والفقر والجهل.(قصدي هنا الأوبئة كما كانت تعرف سابقا ولا أقصد أوبئة العصر مثل مرض فقدان المناعة... هذا أسبابه أخرى ليس موضوع اهتمامي اليوم).

بجانب هذا الاهتمام العضوي نجد فراغا مخيفا في الجانب الموازي: الجانب الروحي. لسائل أن يسأل وهل هناك جانب روحي في هذا الميدان زيادة على ما نعرفه اليوم من  وقاية وتربية ؟ والجواب نعم قطعا.

للذرة ومهما كانت تربتها أو معدنها ذبذبات وموجات كهر- مغناطيسية  ولكن هذه الذبذبات وهذه الموجات لا ترى ولا تحس بالحس المجرد... ولقد انتظر العقل البشري الحقب الطوال للوقوف عليها. كذلك الشأن بالنسبة للكلمه. للكلمة طاقاتها وذبذباتها وقوة تأثيرها،  وهذا نعيشه في تجاربنا اليومية تستمع إلى كلمات قصيدة فتتأثر أيما تأثر فتهزك من أعماق أعماقك،  أو ممثل مبدع يتطابق مع ما يمثله فيبكي ويبكيك أو صوفي في تخميرة من تخميرا ته يذوب في ما ينشد...الخ.. الخ.. ما وراء كل هذا إذا لم تكن  الكلمة  وأسرارها؟ فما بالك إذا كانت  هذه الكلمة في جو روحاني خاشع ممارسة لطقوس دينية حيث صفاء الروح والراحة النفسية هي  الإطار الحي والصادق حيث يصبح لكل شيء معنى. بذلك تسمو روح الإنسان فتعم نفسه السكينة. في هذا الجو من الوضوح كل ما يقوم به الإنسان يكتسي هذه الصبغة الدينية القدسية.

لا يجب أن يفهم هنا من الدين المعنى الشعبي اجترار طقوس تكون منفصلة كل الانفصال عن المعيشي اليومي...تماتم  وتعوايذ درءا لخوف آجل أو عاجل لنفوس حائرة بائسة. الدين هنا يتمثل في المعنى الذي بدونه تفقد الحياة سر وجودها. وهذا المعنى ليس للصدفة فيه موضع بعوضة. المعنى هو المراد لها من بارئها يوم خلقها... إلى يوم أن يرثها ومن عليها. "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "هذه العبادة سيكون لأهل زمن محدد وإطار وأناس محددون يقومون بها. إذن كل ما يمر فوق هذه الأرض وتحت هذه السماء وأثناء هذا الزمن بين هؤلاء الناس  لا بد أن يكون خاضعا لهذه المشيئة.

إذن تكوين الأسرة بجوانبه المختلفة من زواج و  إنجاب و التربية التي ستعطى للنشء يجب أن تحمل بصمات هذه العبادة.

-

اختزال  الثراء المعرفي الإنسان في ثقافة العولمه هو من أبشع الجرائم ضد الإنسانية.

لقد فرضت الثقافة المهيمنة بعد حقبة المسخ التي عرفته الثقافات المختلفة من جراء الاستعمار، نموذج  واحد من الطقوس المدنية  حيث اختزل هذا الإجراء كل الثراء الإنساني. وفي اعتقادي هذه أسوا الجرائم ضد الإنسانية.

ملكة العلم التي حملها آدم وذريته لما انقطعت من روافدها الإنسانية انقلبت إلى تراكم تقني حيث يحشر الفرد في اجتماعيته و ينتهي المطاف كما نلاحظ اليوم إلى تمحور الحياة على العنصر الإجتماعي- الاقتصادي. فالحروب اليوم لا تقام إلا لضمان موارد الطاقة وقريبا لحيازة المياه الجوفية بعد أن أصبحت المنابع التقليدية مهددة. بهذا ينزل الإنسان درجة عن إنسانيته ويصبح العقل غريزة من الغرايز... دوره  يحصر في ضمان الماء والكلأ. فيرجع قانون الغاب.

من هذا المنطلق تعلقي بمرجعيتنا التي لم تقطع مع إنسانيتنا بحيث  أن معنى حياتنا لا يحدده أولا وأخيرا الكلأ والماء  والتبجح بمختلف أنواع الشذوذ على أنه فتح في الحريات الفردية... والتي أصبحت ترصد له الأموال الطائلة لفرضه كثقافة العصر، و على الجميع الالتزام به.  ضغط الثقافة المهيمنة يدفع نحو المزيد من تهميش التنوع. والثراء الثقافي.

إذن خلاصة القول لا أعترض على الجوانب المضيئة في الثقافة الغربية ولكن أحاول جلب الانتباه للتمييز بين الغث والسمين وغث و سمين هذه الثقافة لا يجب أن يلهينا أو ينسينا ثقافتنا ومرجعياتنا الحضارية. وخاصة أن ما توصلت له الثقافة الغربية بعد الجهد والعناء،  في بعض النواحي العضوية المادية للإبداع نجد معطى في التنزيل منذ نزل أو اخذ من موروثنا بطريقة أو أخرى... ولكن ومع الأسف لم نستطع لا فهمه ولا توضيفه وتفطنا له لما فككت المخابر والعقول الغربية طلاسمه... وقتها فقط تفطنا أنه موجود عندنا وكعادتنا تبجحنا بأننا لسنا في حاجة للغرب لمعرفة هذا،   وأخذناه فيما يخدم نرجسيتنا : إعجاز القرآن... وسبقنا الحضاري. كيف يمكن الذهاب أبعد لنجد خصوصيتنا؟  لنأخذ مثالا من التنزيل في موضوع معين : الإنجاب. ماذا يقول القرآن ؟ " سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسكم ومما لا تعلمون "(يس). الاتفاق تام على المصدر الأول للخلق "ما تنبته الأرض " بمعنى أن التركيبة العضوية للإنسان هي من نفس مكونات أديمه الأرض والتي منها أشتق أسم آدم. وكذلك المصدر الثاني للتكوين " من أنفسكم " وهنا كذلك أصبح الإتفاق شبه تام،  إذا استثنينا الكثير من امتنا العربية التي لم يصلها الخبر بعد  بأهمية دور النفس في الحياة وخاصة نفسية الحامل على الجنين الذي تحمله. نفسية الحامل وكذلك نفسية الأب ولكن بصفة أقل تؤثر وتضع بصماتها على  الجنين تأثيرا مباشرا ومتواصلا.

ثم يبقى المصدر الثالث للخلق "... ومما لا يعلمون "  أي،  أيها الآدمي إنك خلقت من أشياء معلومة عندك : عنصرك المادي،  وعنصرك المعنوي ومن عنصر آخر غير مرئي. ثم في حدودنا علمنا والعلم لله نتساءل ماذا يمكن أن يكون العنصر المقصود؟ وبدون كبير عنا إذا رجعنا إلى أبعاد إنسانيتنا نفهم أن المقصود هو البعد الروحي. وهذا مضمون الإشارة "وإذا سويته ونفخت فيه من روحي "  وهذا هو القصد  هل لهذه النفخة من اثر وهل يمكن تتبعها؟ كما قلت تحت ضغط الثقافة المهيمنة وقع شطب هذا البعد الثالث من اهتماماتنا وتربيتنا لأطفالنا ليبقى التركيز على الجانب العضوي البحت و مؤخرا بدأ التفطن إلى البعد النفساني مع إهمال مطلق للبعد الثالث.

إذن ضبط المرجعيات من شأنه خدمة تعدد الثقافات،  وفي هذا التنوع مصلحة الجميع. وبداية الضبط تنطلق من منطلقات الثقافات فالغرب يصر على أن  الإنسان حيوان متطور...  ونعتبر نحن العرب المسلمون أن الإنسان مخلوق مكرم.  وهذا التكريم يعطي لهذا المكرم معنى لوجوده. ولا أظن أن التنظيم الاجتماعي هو سر هذا التكريم. لأن الإنسان  يشترك في التنظيم الاجتماعي  مع معظم الحيوانات التي تعيش قطعانا.  ومن هنا وجب  التمييز بين وجودا الإنسان الاجتماعي الذي يخضع لتنظيمات معينه مثله مثل بقية المخلوقات  و التي هي أمم مثلنا كما يخبرنا القرآن الكريم... . ووجوده الإنساني المختلف والمتميز على بقية التنظيمات.  لأن قبل وجوده الفعلي علمه الخبير (وعلم آدم الأسماء كلها ) علما لم يعطه لغيره. من هنا لا يمكن البتة تجاهل  هذا العنصر الأساسي واعتبار آدم تطور طبيعي لما سبقه من المخلوقات.  قصدي هنا ليس الدخول في جدل من المحق ؟  بل أريد التأكيد على أهمية المرجعية التي عليها ستبنى  الخصوصية والخصوصية هنا هي خصوصية إثراء ولا يمكن أن تكون خصوصية عداء.

إذن الوقوف في تناولنا للإنسان على بعده الاجتماعي التنضيمي كهدف لوجوده هو تجن على إنسانية الإنسان أي على سر وجوده في الكون كوجود(يمثله التنظيم الاجتماعي) وكمشروع( يمثلمه ويميزه  المشروع الإنساني ).  الوجود الاجتماعي ليس بوقف على الإنسان،  كما قلت،  بل يعني كل المخلوقات. لماذا ؟ لأنه يمثل الجانب التنظيمي. وهذه حكمة من حكم المولى أن العزيز الحكيم لم يخلق شيئا لا في السماوات و لا في الأرض أو ما بينها عبثا ولا من دون سلطان وناموس دقيق. وهذا أوقع الكثير في خلط مريع. واقصد الثقافة المهيمنة وفرضها من الفلسفات ما يخدم مآربها مثل المدرسة السلوكية. المدرسة السلوكية رجعت للتنظيم الحيواني واستنبطت منه تنظيما اجتماعيا على أنه النموذج الأقوم لفهم وتنظيم الإنسان  وبها يحاربون كل من يحمل رأيا مخالفا مثل التحليل النفسي والكل يعلم الحملة الشعواء القائمة ضده لإلغائه حتى لا يبقى قول غير قول حذامي. وهذه مقدمة لإلغاء إنسانية الإنسان وكل خصوصياته ليصلوا به في آخر المطاف أن لا هم له إلا السعي والجري لظمان لقمة العيش... وهنا عودة بالإنسان إلى مربع البداية حيث إشباع الغريزة. أي مرحلة ما قبل العقل وليس  ما قبل الأديان فقط. أما الوجه الإنساني  فإنه يمثل التسامي عن بقية المخلوقات والذي كان سببا في تكليفه. في ماذا يتمثل هذا التسامي ؟ الكثير وقع في قصر النظر و اعتبر أن الإضافة تتمثل في العقل أي الجهاز العصبي العلوي. وفي اعتقادي هنا مصدر البلية. لأن الجهاز العصبي العلوي مبتور من رافده الروحي هو غريزة مثل بقية الغرائز. ألجهاز العصبي العلوي لا يمكن أن تكون روافده الحواس فقط فإذا بتر من رافده الأساسي الروح اصبح بلية على صاحبه. الحواس جعلت أولا وقبل كل شئ للنظر في عظمة الله في كل ما خلق. و من خلال معلوماتها يدرس العقل اختلاف الضواهر ليستنبط الأحكام التي تسيرها. إذا بتر هذا العقل من مرجعياته التي  تعطي معنى لهذا الإبداع يضل ويضل. وعوضا أن يبحث وحدة  الخالق فيما يرى يفني عمره في البحث عن المبدأ المادي الموحد الذي يبرر به عبثية الوجود ودور الصدفة الأول والأخير المتحكم في هذا الخلق البديع.

الإنسانية كل لا يتجزأ وجوهرها الإيمان والإحسان. الإيمان يتمثل في الجانب الديني الإيماني و الإحسان في الجانب المادي الوضعي ومضمونه العلاقات الاجتماعية : المعاملات ومبدؤها الاستقامة... وهذا دستور بني آدم  وليس المسلم فقط كما يتصوره البعض. لأن الإسلام ليس بدين جنس من الأجناس بل هو دين الفطرة. هناك  خطأ شائع  لا بد من تصحيحه. هناك دين واحد (إن الدين عند الله الإسلام ) وهناك ديانات مثل  اليهودية والنصرانية ولكن اليهودية والنصرانية دينها الإسلام... بمعنى هي مراتب من الإسلام إذا صح التعبير. فهذا الإطار العام الذي يجب أن لا يشذ عليه أي عمل إنساني. وكل اجتهاد إنساني لا يأخذ بهذه الحقيقة هو أجذم وإنه إلى  زوال لا محالة. وهذا سر سقوط الحضارات على اختلافها بما فيها تراجع الحضارة العربية الإسلامية. الحضارة مشروع إنساني وعندما يلغى هذا البعد ولا يعود يهم إلا الجانب الاجتماعي تحت ما نشاء من مسميات يكون الفصل الحضاري قد دخل في شتاء عمره. في مرجعياتنا الإيمان ليس كما يتصوره الغرب الإيمان بالغيب فقط، هو كذلك فعلا ،  ولكن الجانب التطبيقي لهذا هو الإحسان. والفصل بينهما يؤدي إلى الضلال وهذا ما يعاني منه الغرب والذي يسعى بكل ما أوتي من دهاء إلى الرجوع إلى هذا ولو تحت مسميات مختلفة.

التطبيق العملي لهذا المبدأ هو موضوع الاجتهاد في الإسلام. الإجتهاد كمبدأ ثابت في الإسلام. الاجتهاد لمسايرة    العصر مسايرة لمبدأ التطور في الحياة حيث أن الجمود ليس بمعتبر في ديننا. والاجتهاد فريضة العقل لمواكبته العصر والفتوحات العلمية. القيم الثابتة عندنا في اٌلإسلام هي الإيمان والإحسان كما بينت. الإحسان هي المعاملة    والمعاملة تبدأ من الذات  وتنتهي  بالعلاقة مع الآخر أو الآخرين. والكل يتم في إطار لا المصلحة الآنية بل الأخوة في الإنسانية. إذن الأخوة الحقيقية تتم في إطار "إنما نطعمكم لوجه الله" وليس لكي تزكوني وقت الحاجة.  في حياتنا المعاصرة تأخذ هذه العلاقة أشكالا ومسميات مختلفة. أما الإحسان هو ما يقابل التنظيم     الاجتماعي في الخضوع للقانون المنظم و المسير للحياة،  وهو  نمط القيام بالعبودية في تنظيم ممارسة العلاقة بين    الفرد وخالقه على المستوى الفردي والجماعي. ومقياس النجاح في هذا المجال هو مستوى التزام الفرد بصلاحه للفرد والمجموعة  فيكون بذلك الإحسان الجانب التطبيقي للإيمان

التطبيق الدنيوي لهذا الدستور أن لا حياة بدون إيمان ولا إيمان بدون شريعة لممارسة المعتقد ولا دين بدون علم ولا علم بدون عقل ولا عاقل خارج المجموعة. السلم الاجتماعية في غياب غاية وهدف أسمى يؤدي آجلا أو عاجلا إلى رجوع الغريزة كمنطق للحياة ويمثل ذلك النكوص من الحرية إلى العبودية. وهذا حد فاصل بين الإنسان وبقية المخلوقات حيث الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يتميز بهذه الحرية وبقية المخلوقات مبرمجة قصرا، ولا اختيار لها في برمجياتها. هذه البرمجة لا يجب أن تفهم وكأنها خارج  الإرادة الإلهية هي في مشيئة الله كذلك. العقل مؤتمن على الوقوف على عظمة الخلق ودقة تدبيره وتسييره،  وغياب هذه الحقيقة  نوع من البلاء. وبدون هذه الحقيقة لا يمكن فهم الخلافة.  العقل المقطوع من مرجعيته الإنسانية سوف يضل ويتيه كل التيه ولكن في الآخر الله غالب على أمره لا محالة. وهذا في اعتقادي سبب رئيسي من أسباب اندثار الحضارات. وتواتر الحضارات هو لخدمة هذه الغاية التي من أجلها خلق الإنسان الوصول كذلك عن طريق عقلة للإقرار بالخالق الواحد الأحد وهذا لم يعد بعيدا لأن العلماء تجاوزوا الكثير من الكبر والضلال واصبحوا يبحثون في هذا الاتجاه وهذا في انكبابهم على  البحث على مبدأ واحد يفسرون به مجمع الخلق والتكوين بعد تشعب النظريات وكثرة تفاسيرها... أما الصنف الثاني من العلوم هو علم القيام بالعبودية وهذا علم خاص ليس كالعلم الأول مشاع لكل بني آدم. علم خاص  بالأنبياء والرسل. .علم لا دخل للعقل فيه وهذا ما يمكن تسميته الآن بعلم الباطن بالمقابل مع علم الضاهر. وكما العلم العقلي آليته العقل ووسيلته العاقلة فيه. العلم  الباطن مركزه الفؤاد " ما كذب الفؤاد وما رأى "( النجم) ووسيلته الهمة ( لو تعلقت همة المرء بما وراء العرش لناله ). ويبقى دائما المولى هو مصدر هذا الإلهام وذاك.

علم النظر وعلم القيام بالعبودية علمان غير متناقضان ولكنهما غير متلازمان دائما. غير متناقضين لماذا ؟ لأن القانون المسير  للضواهر الطبيعية موضوع بحث العقل ليس من إفراز لا الصدفة ولا الطبيعة ولكنه قانون مودع فيها مسير لها بمشيئة الخالق والعقل مهيأ لذلك. وكذلك النفس الملهمة إلهامها ليس من صنعها هي ولكنه مشاء لها وهي كذلك مجبولة على ذلك.

السلم الاجتماعية تبنى على مفهوم الاستقامة في الإسلام. الاستقامة ليست بالضرورة الانصهار في النموذج الاجتماعي وهذا بالالتزام بالقوانين المنضمة له. لأن الرادع هنا هو الخوف من الزجر ومتى غاب هذا انفلت الأمر. السلم ا لاجتماعية في الإسلام مبنية على الاستقامة التي في جانب كبير منها  أخلاقي أي نتيجة استبطان مبدأ الإيمان والإحسان.

 

فوق

5 - اختزال  الثراء المعرفي الإنساني في ثقافة العولمة جريمة ضد الإنسانية

لقد فرضت الثقافة المهيمنة بعد حقبة المسخ التي عرفته الثقافات المختلفة من جراء الاستعمار، نموذج  واحد من الطقوس المدنية  حيث اختزل هذا الإجراء كل الثراء الإنساني. وفي اعتقادي هذه أسوا الجرائم ضد الإنسانية.  ملكة العلم التي حملها آدم وذريته لما انقطعت من روافدها الإنسانية انقلبت إلى تراكم تقني حيث يحشر الفرد في اجتماعيته و ينتهي المطاف كما نلاحظ اليوم إلى تمحور الحياة على العنصر الإجتماعي- الاقتصادي. فالحروب اليوم لا تقام إلا لضمان موارد الطاقة وقريبا لحيازة المياه الجوفية بعد أن أصبحت المنابع التقليدية مهددة. بهذا ينزل الإنسان درجة عن إنسانيته ويصبح العقل غريزة من الغرايز... حصر في ضمان الماء والكلأ. يرجع قانون الغاب. السلم الاجتماعية تبنى على مفهوم الاستقامة في الإسلام.  الاستقامة ليست بالضرورة الانصهار في النموذج الاجتماعي وهذا بالالتزام بالقوانين المنضمة له.  لأن الرادع هنا هو الخوف من الزجر ومتى غاب هذا انفلت الأمر. السلم الاجتماعية في الإسلام مبنية على الاستقامة التي هي أخلاق النفس والتي هي نتيجة استبطان مبدأ الإيمان والإحسان.

من هذا المنطلق تعلقي بمرجعيتنا التي لم تقطع مع إنسانيتنا بحيث  أن معنى حياتنا لا يحدده أولا وأخيرا الكلأ والماء  والتبجح بمختلف أنواع الشذوذ على أنه فتح في الحريات الفردية... والتي أصبحت ترصد له الأموال الطائلة لفرضه كثقافة العصر، و على الجميع الالتزام به. ضغط الثقافة المهيمنة يدفع نحو المزيد من تهميش التنوع والثراء الثقافي.

إذن خلاصة القول لا أعترض على الجوانب المضيئة في الثقافة الغربية ولكن أحاول جلب الانتباه للتمييز بين الغث والسمين وغث و سمين هذه الثقافة لا يجب أن يلهينا أو ينسينا ثقافتنا ومرجعياتنا الحضارية. وخاصة أن ما توصلت له الثقافة الغربية بعد الجهد والعناء، في بعض النواحي العضوية المادية للإبداع نجد معطى في التنزيل منذ نزل أو اخذ من موروثنا بطريقة أو أخرى... ولكن ومع الأسف لم نستطع لا فهمه ولا توضيفه وتفطنا له لما فككت المخابر والعقول الغربية طلاسمه... وقتها فقط تفطنا أنه موجود عندنا وكعادتنا تبجحنا بأننا لسنا في حاجة للغرب لمعرفة هذا ،  وأخذناه فيما يخدم نرجسيتنا : إعجاز القرآن... وسبقنا الحضاري. كيف يمكن الذهاب أبعد لنجد خصوصيتنا؟  لنأخذ مثالا من التنزيل في موضوع معين : الإنجاب. ماذا يقول القرآن ؟ " سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسكم ومما لا تعلمون "(يس).  الاتفاق تام على المصدر الأول للخلق "ما تنبته الأرض " بمعنى أن التركيبة العضوية للإنسان هي من نفس مكونات أديمه الأرض والتي منها أشتق أسم آدم.  وكذلك المصدر الثاني للتكوين " من أنفسكم " وهنا كذلك أصبح الإتفاق شبه تام ، إذا استثنينا الكثير من امتنا العربية التي لم يصلها الخبر بعد  بأهمية دور النفس في الحياة وخاصة نفسية الحامل على الجنين الذي تحمله.  نفسية الحامل وكذلك نفسية الأب ولكن بصفة أقل تؤثر وتضع بصماتها على  الجنين تأثيرا مباشرا ومتواصلا.

ثم يبقى المصدر الثالث للخلق"... ومما لا يعلمون " أي ، أيها الآدمي إنك خلقت من أشياء معلومة عندك : عنصرك المادي ، وعنصرك المعنوي ومن عنصر آخر غير مرئي. ثم في حدودنا علمنا والعلم لله نتساءل ماذا يمكن أن يكون العنصر المقصود؟  وبدون كبير عنا إذا رجعنا إلى أبعاد إنسانيتنا نفهم أن المقصود هو البعد الروحي. وهذا مضمون الإشارة "وإذا سويته ونفخت فيه من روحي"  وهذا هو القصد  هل لهذه النفخة من اثر وهل يمكن تتبعها؟ كما قلت تحت ضغط الثقافة المهيمنة وقع شطب هذا البعد الثالث من اهتماماتنا وتربيتنا لأطفالنا ليبقى التركيز على الجانب العضوي البحت و مؤخرا بدأ التفطن إلى البعد النفساني مع إهمال مطلق للبعد الثالث.

إذن ضبط المرجعيات من شأنه خدمة تعدد الثقافات، وفي هذا التنوع مصلحة الجميع.  وبداية الضبط تنطلق من منطلقات الثقافات فالغرب يصر على أن  الإنسان حيوان متطور... ونعتبر نحن العرب المسلمون أن الإنسان مخلوق مكرم.  وهذا التكريم يعطي لهذا المكرم معنى لوجوده. ولا أظن أن التنظيم الاجتماعي هو سر هذا التكريم. لأن الإنسان  يشترك في التنظيم الاجتماعي  مع معظم الحيوانات التي تعيش قطعانا. ومن هنا وجب  التمييز بين وجود الإنسان الاجتماعي الذي يخضع لتنظيمات معينه مثله مثل بقية المخلوقات  و التي هي أمم مثلنا كما يخبرنا القرآن الكريم .... ووجوده الإنساني المختلف والمتميز على بقية التنظيمات.  لأن قبل وجوده الفعلي علمه الخبير (وعلم آدم الأسماء كلها ) علما لم يعطه لغيره. من هنا لا يمكن البتة تجاهل  هذا العنصر الأساسي واعتبار آدم تطور طبيعي لما سبقه من المخلوقات.  قصدي هنا ليس الدخول في جدل من المحق؟  بل أريد التأكيد على أهمية المرجعية التي عليها ستبنى  الخصوصية والخصوصية هنا هي خصوصية إثراء ولا يمكن أن تكون خصوصية عداء.

إذن الوقوف في تناولنا للإنسان على بعده الاجتماعي التنضيمي كهدف لوجوده هو تجن على إنسانية الإنسان أي على سر وجوده في الكون كوجود (يمثله التنظيم الاجتماعي) وكمشروع ( يمثلمه ويميزه  المشروع الإنساني). الوجود الاجتماعي ليس بوقف على الإنسان،  كما قلت، بل يعني كل المخلوقات. لماذا؟ لأنه يمثل الجانب التنظيمي. وهذه حكمة من حكم المولى أن العزيز الحكيم لم يخلق شيئا لا في السماوات و لا في الأرض أو ما بينها عبثا ولا من دون سلطان وناموس دقيق. وهذا أوقع الكثير في خلط مريع. واقصد الثقافة المهيمنة وفرضها من الفلسفات ما يخدم مآربها مثل المدرسة السلوكية. المدرسة السلوكية رجعت للتنظيم الحيواني واستنبطت منه تنظيما اجتماعيا على أنه النموذج الأقوم لفهم وتنظيم الإنسان  وبها يحاربون كل من يحمل رأيا مخالفا مثل التحليل النفسي والكل يعلم الحملة الشعواء القائمة ضده لإلغائه حتى لا يبقى قول غير قول حذامي. وهذه مقدمة لإلغاء إنسانية الإنسان وكل خصوصياته ليصلوا به في آخر المطاف أن لا هم له إلا السعي والجري لظمان لقمة العيش... وهنا عودة بالإنسان إلى مربع البداية حيث إشباع الغريزة. أي مرحلة ما قبل العقل وليس  ما قبل الأديان فقط. أما الوجه الإنساني  فإنه يمثل التسامي عن بقية المخلوقات والذي كان سببا في تكليفه. في ماذا يتمثل هذا التسامي؟ الكثير وقع في قصر النظر و اعتبر أن الإضافة تتمثل في العقل أي الجهاز العصبي العلوي. وفي اعتقادي هنا مصدر البلية. لأن الجهاز العصبي العلوي مبتور من رافده الروحي هو غريزة مثل بقية الغرائز. ألجهاز العصبي العلوي لا يمكن أن تكون روافده الحواس فقط فإذا بتر من رافده الأساسي الروح اصبح بلية على صاحبه. الحواس جعلت أولا وقبل كل شئ للنظر في عظمة الله في كل ما خلق. و من خلال معلوماتها يدرس العقل اختلاف الضواهر ليستنبط الأحكام التي تسيرها. إذا بتر هذا العقل من مرجعياته التي  تعطي معنى لهذا الإبداع يضل ويضل. وعوضا أن يبحث وحدة  الخالق فيما يرى يفني عمره في البحث عن المبدأ المادي الموحد الذي يبرر به عبثية الوجود ودور الصدفة الأول والأخير المتحكم في هذا الخلق البديع.

الإنسانية كل لا يتجزأ وجوهرها الإيمان والإحسان. الإيمان يتمثل في الجانب الديني الإيماني و الإحسان في الجانب المادي الوضعي ومضمونه العلاقات الاجتماعية : المعاملات ومبدؤها الاستقامة... وهذا دستور بني آدم  وليس المسلم فقط كما يتصوره البعض. لأن الإسلام ليس بدين جنس من الأجناس بل هو دين الفطرة. هناك  خطأ شائع  لا بد من تصحيحه. هناك دين واحد (إن الدين عند الله الإسلام ) وهناك ديانات مثل  اليهودية والنصرانية ولكن اليهودية والنصرانية دينها الإسلام... بمعنى هي مراتب من الإسلام إذا صح التعبير. فهذا الإطار العام الذي يجب أن لا يشذ عليه أي عمل إنساني. وكل اجتهاد إنساني لا يأخذ بهذه الحقيقة هو أجذم وإنه إلى  زوال لا محالة. وهذا سر سقوط الحضارات على اختلافها بما فيها تراجع الحضارة العربية الإسلامية. الحضارة مشروع إنساني وعندما يلغى هذا البعد ولا يعود يهم إلا الجانب الاجتماعي تحت ما نشاء من مسميات يكون الفصل الحضاري قد دخل في شتاء عمره. في مرجعياتنا الإيمان ليس كما يتصوره الغرب الإيمان بالغيب فقط، هو كذلك فعلا، ولكن الجانب التطبيقي لهذا هو الإحسان.  و الفصل بينهما يؤدي إلى الضلال وهذا ما يعاني منه الغرب والذي يسعى بكل ما أوتي من دهاء إلى الرجوع إلى هذا ولو تحت مسميات مختلفة.

التطبيق العملي لهذا المبدأ هو موضوع الاجتهاد في الإسلام. الإجتهاد كمبدأ ثابت في الإسلام. الاجتهاد لمسايرة العصر مسايرة لمبدأ التطور في الحياة حيث أن الجمود ليس بمعتبر في ديننا. والاجتهاد فريضة العقل لمواكبته العصر والفتوحات العلمية. القيم الثابتة عندنا في اٌلإسلام هي الإيمان والإحسان كما بينت. الإحسان هي المعاملة والمعاملة تبدأ من الذات  وتنتهي  بالعلاقة مع الآخر أو الآخرين. والكل يتم في إطار لا المصلحة الآنية بل الأخوة في الإنسانية. إذن الأخوة الحقيقية تتم في إطار "إنما نطعمكم لوجه الله" وليس لكي تزكوني وقت الحاجة.  في حياتنا المعاصرة تأخذ هذه العلاقة أشكالا ومسميات مختلفة. أما الإحسان هو ما يقابل التنظيم     الاجتماعي في الخضوع للقانون المنظم و المسير للحياة، وهو نمط القيام بالعبودية في تنظيم ممارسة العلاقة بين الفرد وخالقه على المستوى الفردي والجماعي. ومقياس النجاح في هذا المجال هو مستوى التزام الفرد بصلاحه للفرد والمجموعة  فيكون بذلك الإحسان الجانب التطبيقي للإيمان.

التطبيق الدنيوي لهذا الدستور أن لا حياة بدون إيمان ولا إيمان بدون شريعة لممارسة المعتقد ولا دين بدون علم ولا علم بدون عقل ولا عاقل خارج المجموعة. السلم الاجتماعية في غياب غاية وهدف أسمى يؤدي آجلا أو عاجلا إلى رجوع الغريزة كمنطق للحياة ويمثل ذلك النكوص من الحرية إلى العبودية. وهذا حد فاصل بين الإنسان وبقية المخلوقات حيث الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يتميز بهذه الحرية وبقية المخلوقات مبرمجة قصرا، ولا اختيار لها في برمجياتها. هذه البرمجة لا يجب أن تفهم وكأنها خارج  الإرادة الإلهية هي في مشيئة الله كذلك. العقل مؤتمن على الوقوف على عظمة الخلق ودقة تدبيره وتسييره، وغياب هذه الحقيقة  نوع من البلاء. وبدون هذه الحقيقة لا يمكن فهم الخلافة. العقل المقطوع من مرجعيته الإنسانية سوف يضل ويتيه كل التيه ولكن في الآخر الله غالب على أمره لا محالة. وهذا في اعتقادي سبب رئيسي من أسباب اندثار الحضارات. وتواتر الحضارات هو لخدمة هذه الغاية التي من أجلها خلق الإنسان الوصول كذلك عن طريق عقلة للإقرار بالخالق الواحد الأحد وهذا لم يعد بعيدا لأن العلماء تجاوزوا الكثير من الكبر والضلال واصبحوا يبحثون في هذا الاتجاه وهذا في انكبابهم على  البحث على مبدأ واحد يفسرون به مجمع الخلق والتكوين بعد تشعب النظريات وكثرة تفاسيرها... أما الصنف الثاني من العلوم هو علم القيام بالعبودية وهذا علم خاص ليس كالعلم الأول مشاع لكل بني آدم. علم خاص  بالأنبياء والرسل.. علم لا دخل للعقل فيه وهذا ما يمكن تسميته الآن بعلم الباطن بالمقابل مع علم الضاهر. وكما العلم العقلي آليته العقل ووسيلته العاقلة فيه. العلم  الباطن مركزه الفؤاد " ما كذب الفؤاد وما رأى "( النجم) ووسيلته الهمة ( لو تعلقت همة المرء بما وراء العرش لناله ). ويبقى دائما المولى هو مصدر هذا الإلهام وذاك.

علم النظر وعلم القيام بالعبودية علمان غير متناقضان ولكنهما غير متلازمان دائما. غير متناقضين لماذا؟ لأن القانون المسير  للضواهر الطبيعية موضوع بحث العقل ليس من إفراز لا الصدفة ولا الطبيعة ولكنه قانون مودع فيها مسير لها بمشيئة الخالق والعقل مهيأ لذلك. وكذلك النفس الملهمة إلهامها ليس من صنعها هي ولكنه مشاء لها وهي كذلك مجبولة على ذلك.

 

 

فوق

6 - وإذا كان الإيمان هو باب العلم والمعرفة ؟

يمكن أن يبدى هذا العنوان خارجا عن عصره. اليوم الجميع يتكلم بالتضخيم وبغنة عن العلم  وأنا أتحدث عن الإيمان كباب للمعرفة. أعذر كل من يفكر أو اعتاد على التفكير من هذا المنطلق مع توضيح مهم على أنه لا إيمان بلا علم بالنسبة لي.

المولى جل وعلى حبانا بالعقل هذا العقل لم يكن ضرورة للعبادة، هذا بالرغم من تأكيده على أنه ما خلق الإنس والجان إلا ليعبدوه. والدليل على أن بقية المخلوقات" أتقى" من الإنسان بالرغم من غياب العقل عندها. إذا لماذا هذا العقل؟ هو للوصول طوعا إلى حقيقة الوجود. ولهذا الغرض خلق لنا المولى  قوانين ودستورا. لأنه لا يمكن تصور قوانين جديرة بالاحترام خارج دائرة دستور مؤطر وضامن. النواميس هي التي تسير الظواهر الطبيعية و القرآن هو الدستور الموضح لهذه النواميس الدالة على الصانع وقدرته والحام للعقل من التيه ومن الجهد الضائع في تساميه للوقوف على عظمة الخالق في إبداعه من خلال الكون و الظواهر الطبيعية في كل ما صنع وبرأ وذرأ. وهكذا عن طريق العقل يصل الإنسان للإقرار بوحدانية المبدع. وبهذا يكون العقل طريق للإيمان.  لأنه لا يعقل أن يكون المولى خلق العقل ليكفر به فقط والعياذ بالله، ويؤله غيره. ولا يعقل كذلك أن يكون التيه الذي عرفه العقل منذ نشأته خارج عن علم الله وإرادته.

التحريف الذي قيد العقل  ليس بشيء خارج على علم المولى ولكن هذا التيه يدخل في باب الابتلاء ليميز الله الخبيث من الطيب. وتذكرني قصة البقره  الموجودة  في ثاني سورة للقران بحال الإنسانية اليوم. هذه القصة ضربت لنا مثلا بليغا في ظلم الإنسان لنفسه. ليعرفوا القاتل أمر المولى بني إسرائيل بذبح  بقرة وضرب الميت ببعضها فيقوم ويخبرهم بقاتله. هذا كل ما في الأمر وهو من اليسر ما بعده يسر. ولكن النفوس المريضة اتبعت طريقا آخر طريق العسر فضلوا يناقشون موسى عليه السلام... ولم يكن الله بغافل عما يعلمون، فكلما طلبوا توضيحا إلا وعسر عليهم... والكل يعرف القصة ولكن هذا التعسير ليس بمجاني كما يمكن أن يظن بل لغاية بليغة.  لكي يجازي العبد الصالح البار بوالدته. إذن لا يجب أن يفهم أن الابتلاء هو عذاب مجاني. لا أبدا، ظاهره عذاب وباطنه رحمة لأنها فرصة للإنسان أن يتذكر يستغفر ويتوب ويرجع. قال المولى جل وعلى مخاطبا رسوله للعلمين كافة "ومهل الكافرين أمهلهم رويدا ". إذن لا يجب اعتبار فتوحات العلم المخبر المادي البحت خارج هذه .  لذا رفضه مطلقا هو ضرب من الجهل ما بعده كفر. الغير المؤمن هو ضال وليس بعدو ومجادلتهم لا يمكن أن تكون خارج التربية القرآنية " وجادلهم بالتي هي احسن".

قلت إذن خلق المولى الطبيعة وظواهرها كدليل على وجوده وعظمته. وخلق القرآن كترجمة لهذه العظمة في الكون و كدستور للعقل في تساميه للوقوف على هذه الحقيقة. فكيف يمكن وجود تضارب بين هذه الآيات الثلاثة: القرآن والكون والعقل؟ مضمون هذه الآيات واحد وكلها تصبو لهدف واحد : الإقرار بوحدة الخالق "سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكفي بربك أنه على كل شيء شهيد" (فصلت 53).  الإيمان(القرآن) من جهة والعقل من الجهة الأخرى والكون هو نقطة الجمع والالتقاء بين هذا وذاك. القرآن هو المترجم لهذا وذاك. القرآن يعطي المنهج والإطار لفهم العالم المادي. الإيمان يفرض أن لا نكتفي بتفسير الكون والطبيعة وظواهرها فقط كما يفعل العلم المخبر، بل الوقوف على الحكمة من إيجاده وكذلك الحكمة المودعة فيه. وهنا نفهم دعوة المولى لتدبر القرآن وليس قراءته لقراءته. وهذا رد بليغ على من يدعي أن العلم والإيمان متناقضان. لأنها مهما اجتهدت العقول والآليات والمعاول لن تقف على إبداع المبدع. وما أعظمها شهادة من المولى في حق العلماء وإجلال شانهم "إن الله يخشى من عباده العلماء" بضم الياء في كلمة يخشى. من هذا المنطلق تأكيدي على أن الإيمان هو الطريق السيارة للمعرفة الحقة والعلم يبقى لله وحده.

آخر تحديث ( الثلاثاء, 01 سبتمبر 2009 10:46 )