لهب....لهب....لبنان صيفك لهب         حجر أحراش الجنوب....لهب         البقاع أخضرك ويابسك لهب       إلا   ....  إلا رجالك…. من عجب             عجب ....  عجب  …لبنان  عجب

الصفحة الرئيسية الحضارات لا تصرف في الجمع.. الحضارة واحدة هي حضارة الإيمان

الحضارات لا تصرف في الجمع.. الحضارة واحدة هي حضارة الإيمان

طباعة PDF

إشكالية المعرفة مطروحة منذ الأزل.  تعرض لها تقريبا كل من فكر و مسك بقلم.  أتعرض لها كما تناولها فطاحله الفكر الإنساني بإيجاز.  لماذا هذا التقديم؟ حتى أضع عملي في إطاره هذا من ناحية ومن ناحية أخرى آني اعتبر نفسي مواصلا لهذا الفكر.

يقول فرانسيس باكون أن أول خطوة لدراسة الفلسفة تبدأ بدراسة الطبيعة وبعد الوقوف على قوانينها الخاصة بها ننتقل لدراسة القوانين العامة التي تنطوي تحتها القوانين الخاصة. . وهكذا نتدرج صعودا إلى أن نصل إلي القانون العام الذي تنطوي تحته كل القوانين التي توقفنا على البديهيات التي تكون صحيحة في أي علم كان والتي بها تدرس الأسباب العليا للكون.

ثم يأتي ديكارت فيقسم الأفكار إلى ثلاثة أقسام أفكار مباشرة تتكون مباشرة من الأشياء الخارجية دون استعمال الذهن وأفكار صنعيه أي مركبة من أفكار مختلفة وأفكار فطرية مركزة في عقولنا . الافكار المباشرة والمركبة هي عرضة للشك أما الفطرية فلا لأنها جزء  أساسي من تكوين العقل ومنها وعليها بنيت بقية أحكامنا.

باسكال لم يرفض ما ذهب له ديكارت في ما يخص الأفكار المباشرة ولكنه  ركز المعرفة في القلب وحده .  عنده القلب وحده هو الذي يعرف الحق.  لماذا ؟ أو بالأحرى ما الذي يجعل الحق وقف على القلب ؟ لانه وحسب باسكال هو وحده الذي يعرف الزمان والمكان والحركة لذلك هو وحده القادر على إدراك الحقائق الأولية.

مالبرانش لم تقنعه فكرة الأفكار الفطرية التي بواسطتها ندرك الحقائق. و يصوب فيقول أن الأفكار الإلهية هي التي تدرك العالم الخارجي .  الله يخلق الميل والرغبات في الأرواح وهو الذي يحرك الأجسام حسب ميول الروح بكلمة ينفي مالبرانش أفكار كل من سبقه ممن ذكرنا عن المعرفة.  بالنسبة له الله هوا لخالق لنا ولأفعالنا.

سبينوزا  يعكس البرهنة الصاعدة أي المنطلقة من الأفكار الجزئية البسيطة ويذهب صعودا. ويعتمد بالعكس البرهان النازل  أي ينطلق من الكل إلى الجزء ولكنه قبل ذلك يقترح تنقية العقل. يقسم سبينوزا المعرفة إلى أنواع ثلاثة.  معرفة تأتي عن طريق الإشاعة ما يسميها بالتجربة الغامضة والثانية تأتي عن طريق الاستدلال والاستنتاج وأخيرا ما يدرك عن طريق البداهة وهو أرقى أنواع المعرفة.

ينكر لوك الأفكار الفطرية تماما .  بالنسبة له كل شئ يأتي من التجربة ولا شئ خارج التجربة.  ويجزم أن عقولنا خلقت خالية من الأفكار.  الحواس توصل للعقل مجموعة من الأحاسيس يجمعها ويحفظها ويقارنها ويدرك العلاقات بينها. هكذا ينتهي العقل إلى الادراكات الأولية التي يظنها الآخرون فطرية.  وما هي إلا أفكار كونها العقل بالتجربة وسماها أفكار تمثيلية  . . ويؤكد أن في عقولنا نماذج لحقائق الأشياء وهي مقياس الأفكار.  وبناء على هذا يقسم لوك المعرفة إلى ثلاثة أقسام معرفة بديهية ومعرفة برهانيه  و معرفة غامضة لا برهان عليها.

لايبنيتز يعترض على لوك ويرجع إلى ديكارت.  بالنسبة له التجربة بعيدة على أن تكون كل شئ في المعرفة .  يقول توجد فينا حقائق ضرورية أسمى من التجربة ولكن لا نستطيع كشفها إلا بالتجربة لأنها موجودة في أذهاننا بالقوة.

كانط والذي في تمشيه الذاتي يشبه سقراط. لقد حارب سقراط السفسطائيين وكان عمله في جانب منه ردا عليهم. كذلك كذلك كانط جاء بعد أكبر الشكاكين هيوم . هيوم شكك في كل مرتكزات الحياة من علم ودين وأخلاق. وجاء كانط فقطع مع مقولات هيوم وأكد أن المعرفة  لا يمكن أن تكون بالأحاسيس وبما وراء الأحاسيس.  أي من علاقات غير محسوسة.  بدأ كانط بتساؤل هل للعقل قدرة خاصة تمكنه من استنباط أحكام إنشائية من ذاته دون اللجوء أو الاعتماد على المحسوسات أو على التجربة؟ وضع كانط للإجابة قواعد. من هذه القواعد أنه يعتبر مصادر المعرفة العقل والحس .  و للعقل قوانين فطرية سماها قوانين العقل المنظمة بها يدرك العلاقات القائمة بين المحسوسات فيكون في البداية إدراكا حسيا ومن هذه الادراكات يكون مدركات عقلية.  وأهم هذه القوانين القوانين الفطرية.  وهذا لاحتوائها على فكرة الزمان والمكان وقانون السببية.  وبواسطة هذه القوانين  الإنشائية يكون العقل  أحكاما إنشائية من ذاته لا يعتمد فيها على شئ آخر غيره .  هذه حدود العقل عند كانط. و إذا تجاوز العقل هذه الحدود التي يعتمد فيها على الظواهر وقع في الخطا لأنه لا سلطان للعقل في ما وراء الحس. هكذا نقد كانط العقل الخالص القائل بصعوبة برهنة العقل النظري على ماهيات الأشياء ووضع نظرية العقل العملي.  والذي يقول فيها بأن العقل العملي  موجود في قرارة  أنفسنا.  وهو عبارة عن شعور قوي  يأمر بالخير وينهى عن الشر .  ويتساءل كانط من أين يأتي هذا الشعور؟ ويجيب بعدم قدومه لا من الإحساس ولا من العقل .  لماذا ؟لأنهما يعملان على صورة الأشياء. . . . وموضوعه لا علاقة له بصورة الأشياء بل بمضمونها.  هو قانون أخلاقي  فطرت عليه نفوسنا كما فطرت عقولنا على قوانينها المنظمة.  وبهذا القانون الأخلاقي يستدل كانط على حرية الإرادة وبحرية الإرادة  على خلود النفس  وبخلود النفس  على يوم الدين.

ملاحظة نخرج بها من هذا الجرد التاريخي حيرة الجميع عند تناولهم القوانين الفطرية المركزة في العقل .  رغم بعض التشابه عند البعض منهم في مسألة التعامل معها ونجد هذا التشابه خاصة عند كانط وقانونه الأخلاقي  وأفلاطون وعالم مثله ولكن الفرق بينهما يوجد في المنطلقات والتمشي.

هذه الصعوبة في فهم الأفكار الفطرية متأتية من عجز المتقدمين على تصور إنسانية الإنسان .  ماهيتها وكيفية عملها وما هي قوانينها؟ هذه الإنسانية بدونها لا يمكن  فهم مكونات أبعاد الفرد البشري .  هناك فهم مغلوط للعقل. عند الإنسان وهذا مصدر اللبس في تعاملنا معه .  العقل ليس هو في حد ذاته ما يميز الإنسان عن بقية الكائنات وبينه وبين جميع ما يمكن أن يخترعه الإنسان  من عقول اصطناعية ذكية أمثال الحاسوب وغيره . وهذا ما يغفله الكل .

العقل ليس الدماغ الذي تحتويه الجمجمة كما تدعي الفلسفة المادية .  الدماغ هو وعاء العقل.  العقل هو المشكاة والمصباح المضيء هو الروح. . .  بدون الروح ومضمونها الفطرة العقل مظلم.  والمفكرة فيه غير قادرة بمفردها على تفادي فخ الحواس.

أخذ الفلاسفة المشكاة على أنها المصباح لشدة إبهارها . . . نتيجة لعدم هذا الإلمام نجد الفلاسفة كل من زاويته يقارب هذه التركيبة من زاوية .  وبدون هذه التركيبة يصعب فهم  لا المدركات و لا الأفكار الفطرية ولا الأخلاق.  يبقى عندنا نحن العرب مفهوما جوهريا لم يقع استغلاله عمليا أقصد الفؤاد.  الفؤاد يتكون في حالة صلاح الفطرة من تناغم العقل والمفكرة من جهة و الروح والفطرة من جهة أخرى.

وهذه هي آلية المعرفة السليمة. عدم معرفة هذه الحقيقة أدى إلي انشطار في الفكر الإنساني. فضاع الإنسان في متاهات الأجوبة عن أسئلة فرعية أبعدته عن جوهر المعرفة.  كان بإمكان الجميع اتباع سبيل أيسر وأقصر وهذا بالاتفاق على مرتكزات أساسية  و منها يكون الانطلاق في البحث عن بقية التساؤلات.

في اعتقادي السؤال الذي يمثل حجر الزاوية هو هل أن المعرفة الإنسانية غاية في حد ذاتها؟ المعرفة للمعرفة.  وعلى ضوء الجواب عن هذا السؤال يقع التعرض لسبل هذه المعرفة.

الاختلاف في الأساس  عامل إثراء  ولا يمكن أن يكون كابحا للعقل.  ولكن ما وصلنا إليه اليوم تجاوز  حيث أصبحت هيمنة الرأي الأوحد تهدد الفكر الإنساني ككل بقطع النظر عن الفضاء الثقافي المنتج.  فتوقفت الإضافة عند الجميع.  لقد وصلنا إلى العقم الإبداعي لأن المنطقين المهيمنين استنفذا كل ما يحملانه من طاقة ابداعية. لقد وصلنا إلى حالة تستوجب إعادة النظر  في أسس المعرفة كما سطرها العقل ألهليني  وكرسها مفكروا الإشراقة الإسلامية وفلاسفة عهد الأنوار.  إعادة النظر ليس معناه تكفير من سبق ولكن لاعطاء دفع جديد  لمسيرة الفكر البشري .

بداية يجب العودة إلى المفاهيم آلتي تعد من المسلمات لتدقيق معانيها ونفض الغبار على غيرها المغيبة عمدا اوعن جهل  . ذكرت منذ حين العقل والفؤاد الكل أسهب في الحديث عن العقل فحملوه ما ليس له وأهملوا الفؤاد و أخص بالذكر هنا العرب . لا أنكر بالطبع أن ما قيل في مجال العقل أضاف إلى المعرفة الشيء الكثير . ولكن في نفس الوقت حملوه ما ليس له وبذلك يكونوا قد ظلموه وظلموا كذلك بقية أبعا د إنسانية الإنسان.

العقل هو الجانب البارز من جبل الجليد الذي هو الفكر.  مجال العقل الأساسي هو تسيير شؤون الحياة اليومية معتمدا في ذلك بالأساس على الظواهر بواسطة الحواس في إطار الوعي . ورغم اعتراف الجميع بقصور الحواس والوعي فانهم يبوئونه المسؤولية الكاملة في المعرفة . لهذا يصعب تنصيب العقل منصب المعلم الموضوعي المطلق وربطه بالممارسة الموضوعية.  . ما قصده الجميع بالممارسة الموضوعية لا يمكن أن يغطي  التجربة الموضوعية .  الممارسة في جانب كبير منها مجالها الوعي والوعي رهين عصاب الفرد.  إذن على أي معرفة موضوعية نتحدث إذا كانت روافدها الأساسية معتلة وأقصد الحواس القا صرة والوعي العصابي ؟ الممارسة العقلية المذكورة هذه هي المسؤولة الأولى على ما تعان منه الإنسانية من عقم ابدعي وشذوذ فكري من أمثال العنصرية والعرقية والقومية الضيقة ومختلف أنواع البدع الفكرية في جميع مجالات الحياة.

التجربة الموضوعية رهينة إشكالية الفطرة.  وإشكالية الفطرة هي في الأساس رهينة إشكالية الانتماء.  والانتماء بالأساس وقبل أي انتماء عرقي أو لغوي أو جغرافي هو الانتماء الجنسي من أنثى وذكر. هذا أساس كل انتماء.

العقلية المرضية المهيمنة مثلت عندها الأنوثة السلبية المطلقة بمضمونها القصور والعجز. وسخرتها  لخدمة النزعة ألذ كورية المرضية التي تمثل عندهم القوة والإرادة والفعل.  هذه الإشكالية أنهكت الطاقة الإبداعية بإصابتها في الصميم  .  ومنذ ابتلاء المجتمعات بها بدأ العد التنازل للإبداع.

الفكر يمثل الجانب الأهم من جبل الجليد المخزون العائم تحت الماء . أما منطلقاته فهي كل أبعاد الفرد البشري بما فيها العقل .  أما مرجعته الأساسية فهي الفطرة السليمة .  والفطرة هي عكس الطبيعة التي ينهل منها العقل وتتميز  بوضوحها ودقتها وخاصة في ما يخص الانتماء الذي ذكرته.

بالنسبة للفطرة الذكورة والأنوثة ليسا بتصنيف بيولوجي بحت مثلما هو الحل عند النبات والحيوان.  ولكنها وبالأساس معنى حياتي .  وباختلال هذا المعنى يكون البعد البيولوجي قاصرا لا يوفر الحماية  بل بالعكس هو الذي يسرع في تصديع البناء.

بني العقل على منطلق مغلوط مكتسب من نظرة قاصرة أصبحت فيما بعد مرضية.  هذه النظرية قوامها التفاضل والتمايز.   هذا المنطلق السقيم هو الذي يكرس في المدارس والمعاهد والجامعات.  لأنه بالرغم من التضخم المهول في مناهل  العلم لم يعرف التاريخ جدبا فكريا مثل الذي نعاني منه اليوم .  . .

منطلق الفكر أعمق من منطلق العقل و أسلم لأنه ينهل من فطرة الإنسان.   الفطره لها مقوماتها ومرتكزاتها.  هي المسؤولة عن مسيرة الإنسانية وبذلك تكون مسؤولة  عن الإبداع .  الإبداع الفكري الذي يصب في مجرى تقدم البشرية.

من ثوابت الفطرة الهوية .  الهوية عنوان أ رحب وهو أشسع من كونك رجل أو امرأة أشقر اللون أو

أسمره منتم لثقافة أو عرق ما يفرض ردات فعل متجانسة في مواقف معينة.  الهوية منطق قبل أن تكون انتماء .  بذلك هي مرتكز وهذا لأنها من ثوابت الخالق في خلقه. ومنطلقها الأساسي الذكورة و الأنوثة.  أنثى وذكر ليس بوقف على الإنسان هي من سنن الإله في خلقه.

لكل من الذكورة والأنوثة أصل و صورة.  وهذه كذلك من آيات الخالق. فالكمال لله وحده .  في الرجل جانب أنثوي و كذلك في المرأة جانب ذكوري.  لذلك كل منا يحمل  أصل وصورة .  الرجل يحمل ذكورته كأصل من أبيه وصورة من أنوثة أمه.  أما المرأة فهي تحمل أصل أنوثتها من أمها وصورة لذكورتها من أبيها.  ولأسباب كثيرة تدخل في طمس الفطرة هناك من الرجال من سيأخذ ذكورته من صورة الذكورة عند أمه. . .  ومن النساء من ستأخذ أصل أنوثتها من صورة الأنوثة عند أبيها.

إذن الفطرة منطق ومنطلق وكل منا هو مستودع متكامل على مستواه الذاتي وكذلك على مستوى انسانيته.  وإذا وصل التصدع إلي مستوى معين يبدأ الترهل  فالعجز وذلك مؤشر بداية نهاية العد التنازل.

منهجية بناء إنسانية الإنسان

النضج الفكري والبناء الثقافي ليسا بغايات في حد ذاتهما.  هما وسيلة لغاية أسمى.  وهذا ما يفسر تتابع الحضارات وتتابعاها يخضع دائما لنفس المنطق.  ألشئ الوحيد الذي لا ينهار هو العقل وفتوحاته

وهذا هو القصد من وجود الحضارات ومن وجود العقل المفجر لها.

البنية الفكرية في قصة التجمعات البشرية

الحضارات في اعتقادي لم تبدأ كما تصورها البعض.  المنطلقات دائما لا تبدأ إلا بالفرد .  فالبداية هنا كذلك تخضع لنفس المنطق.  التجمعات هي مرحلة متأخرة عن طهور الفرد.  كانت الولادة تقع وبعد المدة الزمنية اللازمة لاعتماد الفرد على نفسه يترك وحاله وتواصل حاملته حياتها .

الاجتماع والتجمع الواعي صار في مرحلة لاحقة وتم عبر الصدفة المحضة.  وهذا بعد أن قام كل على انفراد بتجربته الذاتية وهذا ما يفسر أمرين رئيسيين حير العلماء.

1. التطور المتوازي الذي عرفته التجمعات وهذا رغم المسافات التي تفصلها عن بعضها البعض.

2. هيكلة بنية التجمعات المختلفة على نمط واحد وذلك رغم اختلاف البيئة والمحيط.

في البداية كان كل واحد يعيش على حده.  ولما وعى بوجوده وجد نفسه فريدا  ولم يجلب  ذلك انتباهه.  ولم يدفعه كذلك  للتفكير في حاله ولا في بني جنسه.  كان جالسا يتأمل الطبيعة و لم يكن وقتها كثير الحركة.  كانت حياته تعتمد على ما يجده حوله من حشائش و قضاء حاجته البشرية. كان يتأمل كثيرا كان يطيل النظر. . . لم يكن ينظر إلى شئ بعينه ينظر فقط .  سيلعب النظر دورا كبيرا في وعيه بذاته وبما حوله.  هؤلاء الأفراد منهم من كان في الغابات ومنهم من كان في الجبالالخ. . الخ...

لنتتبع وعي أحدهم بذاته وبما حوله.  كان جالسا في الغابة .  الجلوس والنظر كان يغطي معظم وقته.  بقية فترة يقضته كان يقضيها في تلبية حاجاته البشرية من أكل وشرب وتغيط. الدافع الوحيد الذي كان يمكن أن يدفعه لتغيير وضعه هو العامل الخارجي المفاجئ مثل الخطر الداهم.  لأن الدفاع عن النفس يجبره على الوقوف نسبيا أو على الأقل يدفعه لتغيير وضعيته .  فالدفاع عن النفس يكون أسهل عندما يكون الإنسان واقفا أو متحفزا للوقوف. أما الخطر الذي يمكن أن يداهمه مأتاه خاصة من الحيوانات المحيطة به من كل جانب .  في البداية لم يكن يملك ما يدافع به على نفسه لازعجها وإجبارها عن الفرار. كان لا يملك أكثر من الصراخ والصياح.   الصياح والصراخ جعلاه يتفطن إلى قيمة فمه .  فمه.  كعضو يمكن أن يستعمله لحاجة أخرى غير الأكل . اذن لولا الخطر الداهم لما التجأ لا للصراخ و لا للوقوف.  كان يعيش على الحشائش وعروقها القريبة من أظافره . . . وهو جالس. ولكن وقوفه قربه من أغصان الأشجار.  كان يرى بعض الحيوانات تقطف أشياء من الأشجار ولكن لم يثر هذا في البداية اهتمامه ولم يوح له بأكثر من ذلك.  لكن اقترابه من الأغصان شجعه على أخذ بعض الأوراق وتلقائيا حملها إلى فمه وإذا بطعمها مخالف لطعم الحشائش. . .  طعم لم يستسغه ولكن الثمار التي كانت بين الأوراق لها طعم مستساغ ومخالف لطعم الأوراق وكذلك لطعم الحشائش. اكتشاف بعث في نفسه شيئا ما شجعه على الوقوف والتنقل بحثا عن هذه الملذات.

مكتشف الثمار هذا لم يتعر بعد على مكونات جسمه رغم إتقانه لبعض الحركات والتي أصبحت قصدية بعد أن كانت اللاإرادية .  شكل جسمه لم يكن بعيدا عن أشكال الأجسام التي كانت تحيط به من حيوانات. ذاكرته كانت تدور ببطء مثل حركاته.  الجديد عنده خاصة أن وعيه لم يعد مرتبط بنظره فقط .  لقد أصبح يدرك قيمة الذوق في تنوع تجربته الذوقية بعد اكتشاف لذة الثمار وما يتبع ذلك من حركة فلمس فشم.

في البداية كانت حركاته بطيئة.  كان سرعان ما يتعب فيركن للراحة للجلوس لكن الدربة وسعت  طاقة التحمل  وكذلك سلاسة الحركة عنده .

. بهذا يكون الإنسان قد ابتدأ ميثولوجية مدنيته .  غريزة الجوع لإسكاتها أصبح يختار من الثمار والفواكه والأعشاب ما لذ له.   إذا كان الليل باردا يطلب المغارات أو الكهوف ليحتمي بها .  وإذا أقلقته الأدران والحشرات يسرع للماء للتمرغ فيه للتخلص منه وإذا لفحته أشعة الشمس يسرع لظل الاشجار.  هذا كله ليس من متطلبات الغريزة بل هو مظهر من مظاهر الرفاه الذي لم يعرفه سابقا. .

الحركة و الجهد نظما حياته نسبيا بين يقضه ونوم "وتسوق " إذا صح التعبير.  كان يقضي يومه في حلم يقضه متواصلة, ينام و يستيقض حسب متطلبات غريزته دون كبير أدراك بذلك.  تداول الضوء والظلام كان له دخلا كبيرا بوعيه بالدورة الزمنية. . . وهذا بدوره جلب انتباهه لدورات أخرى أوقات يغلب فيها الحر و أخرى يطغى فيها القر. . .  لقد أمضى وقتا طويلا قبل أن يهتدي لهذه المتغيرات.. وكذلك بعلاقة هذه الدورات ونقص أو غياب الثمار لقد أمضى وقتل طويلا قبل أن يتجاوز نسبيا إشكالية نقص الغذاء.

التجربة وحدها لم تمكن الحيوان التي كانت حوله من تحسين ضر وف حياتها ولا تجاوز برمجياتها الغريزية.  ما الذي دفعه هو لهذا ولم يدخل عقله بعد على الخط.  لأنه لو كان عكس ذلك لما أمضى أو لما أضاع كل هذا الوقت لحل معضلة الغذاء ا التي كان يعاني منها قبل اكتشاف ثراء الطبيعة في هذاالمجال.  غريزته كانت بريئة كذلك لأنه لو كان الأمر كذلك لما استطاع تنويع معيشته وليس في الأكل فقط.  إذن ما الذي دفعه لذلك؟ والجواب يكمن في الفطرة.  ومن يقول الفطرة يقول إنسانيته.  وهذه الفطرة هي غير البرمجة الغريزية ولا علاقة لها بتجربته وتراكماتها. هذه الفطرة هي التي ستضعه كذلك وجها لوجه مع بني جلدته.  لنقترب من هذا الموقف ولنتتبعه قليبلا. لكن قبل هذا التلاقي المصيري لا ننسى وعيه بنفسه قد

كبر. جسمه كان يحمله دون أن تكون له به معرفة مثله مثل الطبيعة التي كان يعيش على كرمها. . . واذا به يصخر ما في الطبيعة لا حسب حاجته بل حسب ذوقه و متطلبات رفاهه.  في هذه الضر وف والمعطيات سيجد نفسه وجها لوجه مع "نفسه" منتصبة أمامه.  لا يمكن أن لا يذكرنا هذا بما  ألفناه من التقاء حيوانين. العدوانية التي تدور بينهما ليست نتيجة عدم تجانسهما أو نتيجة لرفض قطعي لوجودهما مع بعضهما الأمر مخالف تماما.   الأضعف يرضخ قصريا للأقوى .

بعد التواصل بينهما وقبولهما لبعضهما كل مكانه بدأت تجربة فريدة في الكون .  هذه التجربة ستتواصل رغم صانعيها و لن تتوقف إلا بإنجازها لكل ما خلقت لأجله .  تلك اللحظة كانت حاسمة وربطت بينهما وفاقا لن ينفض ما دام ابن آدم على وجه البسيطة. أصبح التجمع هو الأساس و كأنهم لم يخلقوا إلا   ليجتمعوا.

اجتماعهم أفرز سلوكيات جديدة .  لكن حياة المجموعة ستظل زمنا آخر متمحورة حول الغريزة ومتطلباتها.  تلبية الحاجيات  عرفت تطورا كبيرا.  لكن الضر وف الموضوعية ستلعب دورا مهما في حياته .

التقلبات المناخية والغذاء كانت من العوامل التي هيأت الضروف   للتحرك. . . في هجرات  جماعية طلبا للكفاف .  لكن الحكمة الأخرى من هذه التحركات هي وضع هذه المجموعات وجها لوجه مع بعضها البعض وهذا ما سيفرض مع الوقت توازنات وتأقلمات جديدة.

توسع التجمعات عدديا وفضائيا فرض نوعا من تقسيم الأدوار. هذا التقسيم بدأت ملامحه منذ اللقاءات الأولى.  في البداية الحدود لم تكن واضحة المعالم لكن ألان مع امتداد المساحات وكثرة الأفراد وجب التمييز بين المهمات التي ستقوم بها كل خلية أوكل فرد وهذا ما سيشجع أكثر فأكثر على التكامل وتحسين المر دودية وهذا من شأنه أن يفرض نوعا  من العلاقات الجديدة وكذلك من ردات الفعل الجماعية الجديدة.  ردات الفعل هذه لم تصل بعد إلى مستوى التفكير الجماعي ولكنها تهيئ الضروف.

الرسم يمكن أن ينطبق على هذه السلوك الجماعي الذي لم يصل بعد إلى حد التفكير الجماعي. فهو وسيلة تخاطب لا تتعدى مقصودها. الجديد في هذه الوسيلة أنها تعدت المباشرتية.  ولم تصل إلى مستوى الفكرة النظرية التي ترتبط أكثر بالتعبير عن مفاهيم جماعية مشتركة.  فمثلما يترك الحيوان بعض روائحه كإشعار منه لغيره بوجوده يفعل الإنسان بصوره .  كل ما يتركه  هو للإشعار.

الفوارق الجنسية لم تكن مجهولة عندهم ولكنها لم تكن معلومة كذلك إلى درجة تجعلها تتجاوز الممارسات الغريزية البحتة مثلما الحال عند الحيوان .  أو بتعبير آخر التمايز الجنسي بين الذكور الإناث لم يكن نتيجة تنظيم اجتماعي أو ثقافي معين  .

الأنثى في القطيع مثلها مثل الذكرالشئ  الذي ينظم علاقاتهم هي القوة والتسلط.  الأدوار داخل المجموعة يقع تقسيمها على هذا الأساس الأقوى المسيطر له الأولوية في كل مجالات الحياة بما في ذلك النساء.  هذه القاعدة عمرت طويلا قبل حلول تنظيم آخر محله. . .

بعد أن ظمن الفرد كفاف بطنه ومتطلبات أمنه و"رفاهه" تدرج في هذا المسار وإذا به يواجه متطلبات أخرى غير متطلبات غرائزه البحتة.  من ظمن هذا التحول ظهور المشاعر والعواطف بين الذكر والأنثى.

وجود الفرد داخل المجموعة وفر له الطمأنينة ولكن وجوده مطمئنا قرب الآخر من الجنس المقابل حرك فيه مشاعره وهذه قفزة نوعية مهمة على طريق بشريته وابتعاده عن غرائزه أي عن حيوانيته.  مواصلة بناء إنسانيته ماض وهذه كلها لبنات متممة لبعضها البعض. فطرته هي التي تقوده وليست تجربته كما يظن الكثير.  الفطرة هي التي تقود الإنسان إلى غاياته والغريزة ظامنة للحيوان بقاءه . اشباع الغرائز عند الحيوان للبقاء  أما عند الإنسان هي وسيلة وباب للارتقاء.

عند هذا الحد من الوعي والتطور يكون الإنسان قد قطع شوطا في وعيه بذاته وبما حوله ليبدأ تراقيه. الكثرة. والكث وشساعة المسحات التي يغطيها التحرك يفرض نوعا من العلاقات الجديدة لا يكون فيها التسلط هو العلاقة المناسبة لهذه المرحلة . هذه القفزة النوعية هي خطوة من خطوات ترجمة أنسا نية الإنسان من القوة للفعل وليست نتيجة تراكم التجارب فقط.

الاجتماع وتوزيع الأدوار والألفة التي تجمع بين الذكور الإناث خولت قطع خطوات أخرى نحو بناء اجتماعية تقطع مع ما كان سائدا.  هذا ما خول التقدم نحو تكوين النواة لما يسمى عصريا بالعائلة النواتية.

يقول فرويد أن المجموعات البشرية عانت من سلوك المتسلط منهم عليهم. . . وهذا بحوزته لكل ايناث المجموعة.  بعد إخفاق كل المحاولات لاثنائه عن تسلطه اجتمعوا على قتله .  وبقتله تمكنوا من تقاسم الايناث. . . وهكذا تكونت العا ئله ومعها وبالقتل وما يتبعه من شعور بالذنب وضع الحجر الأساس للدين والأخلاق الخ. . الخ لا أعتقد أن الحياة الاجتماعية تكون قد وضعت أسسها على هذا المنوال.  إنسانية الإنسان لهل منطلقاتها الخاصة وكذاتك أهدافها وسبلها .  المنطق الفرويدي يكرس السلوك الغريزي مع إضافة الشعور بالذنب.  منطلقه هذا يتلاءم مع نظرة الغرب القائلة بالصدفة في الخلق وما ينجر عنها من نشوء وارتقاء. . .

الحياة الإنسانية كما الحياة بصفة عامة لا مجال للصدفة فيها كل ما فيها  يسير حسب نواميس دقيقة.

تكوين مجموعات صغيرة حول نوات الأنثى والذكر مثل نقطة تحول نوعية في حياة ووعي الإنسان. ولهذا وجب النظر إلى التحولات التي عرفها والقفزات النوعية التي مر بها على أنها تحقيق لإنسانيته لا مجال لا للصدفة فيها ولا لتراكم التجربة فقط القول الفصل فيها.

اكتشاف النار يندرج في نفس المسار.  النار في حد ذاتها لم تكن مجهولة عند البدائي .  النار كانت معلومة عنده.  ولكن وجودها لم يكن يعني له شيئا. .  منذ البداية كا ن يرى البرق والصواعق والحرائق التي كانت تخلفها أحيانا.  هذه المظاهر كان يعيشها مثلما كان يعيش عشرات الضواهر الأخرى دون أن تثير فيه أكثر من الجزع والخوف. . . مع الوقت آلف ظهورها .  الصدفة المرادة وضعته وجها لوجه معها فتعامل معها.  يمكن أن يكون هذا على اثر نزول صاعقة بالقرب منه فعاش الحادث كما يعيش الكابوس. . النار حوله باغتته مثلما باغتته بقية الحيوانات وغيرها.  النار  أمامه تأتي على الأخضر واليابس.   بعد هدوءها تركت كل شئ متفحم.   من بين الأشياء المتفحمة الأشجار والحياوانات. منظر الحيوانات "المشوية" جلب انتباهه وخاصة طعم لحمها المغاير في الطعم لما عهده. . من هنا وتدريجيا آلف النار وطوعها في استعمله اليومي.

مسيرة طويلة كان لا بد للإنسان من قطعها. ورغم تعثره وبطئه وتحويل وجهة مساره عدة مرات لم يكن للصدفة فيها أي دور. التدرج كان نتيجة فطرته وليس تراكم تجربته فقط.  البداية إنسانيته التي تحتوي على مختلف مقومات حياته بما فيها غريزته وكل ما يهم تطور تجربته وصولا لاستعمال عقله. .

الفرد كان أساس التجمعات والتجمعات كانت أساس اجتماعيته التي عليها سيقام وعيه الأنسانى. . .

التجمعات الإنسانية والبناء الثقافي

مستويات هذا البناء:

إنسانية الإنسان يفجرها الاجتماع فهي لا تصرف في المفرد.  الفرد ورغم حمله فطريا كل مقومات إنسانيته فهو عقيم إذا عاش معزولا وعزلته ولو كانت في الجنة تبقى عقيمة.  سنرى لماذا لاحقا.  الاجتماع هو الذي يفجر العناوين والمعاني التي يحملها.  وفي هذه العناوين العامة تكمن الخصوصية الفردية والثقافية والحضارية.  لنرى مستويات هذا البناء:

المستوى الأول

المجموعة وحدة رغم اختلاف الأفراد المكونين لها.  المجموعة هي آلتي تفجر مقومات انسانيتها.  مثلما يحمل الفرد تمشيه الذاتي  يحمل تمشيه الاجتماعي وبدون هذا تجمعه لا يضيف له شيئا ومهما كانت تجربته.  هذا يعتبر قانونا عاما لا يمكن الالتفاف عليه.  من هنا لا يمكن لثقافة ما أن تقوم على عكس هذا ولذلك فان الحضارات لا يمكن أن تكون مشروعا فرديا و مهما كانت عبقرية هذا الفرد.  وكما ثمة إرادة الفرد هناك إرادة المجموعة والتي هي غير مجموع ألا رادات الفردية.

علم الاجتماع لم يعط هذا الباب حقه من الدراسة.  لا بد لنا من الاهتمام بهذا الأمر من منطلقنا نحن الذي لا يترك للصدفة مكانا.

لهذا مهما تكون الأسباب لا يمكن اندثار الجنس البشري بسبب الكوارث أو الحروب أو المجاعات أو الأوبئة  .   هو الذي ينهيها ولا يمكن أن تنهيه. هذا ما أدى بفلاسفة النشوء والارتقاء للخلط بين الأمور.  البقاء ليس للأقوى بنيويا. القوة المقاومة ليست في الفرد سرها في المجموعة. وسر المجموعة في إنسانيتها وليست في مقوماتها البدنية العضوية. لأن المجموعة البشرية هي غير مجموع الدينصورات. المجموعة البشرية تحمل رسالة ولن تندثر قبل تحقيق رسالتها التي خلقت من أجلها. . وهذا لا يمكن أن يفهم خارج الخلافة التي تحدثت عنها الأديان . . .

تعطل المسيرة وارد وهو من سنن الحياة أما اندثارها   قبل تحقيق غايتها فلا. التوقف لا يجب أن ينظر له من الناحية السلبية بل يجب أن يؤخذ خاصة من ناحيته الإنجابية على أنه صقل وتكرير للمعدن حتى يجد بريقه وتوهجه. . .

المستوى الثاني

ينطبق على الحياة الاجتماعية  ما ينطبق على الافرد.  فلا ركود ولا جمود وهذا ليس للفرد كبير سلطان عليه.  فطرته التي هي من مقومات إنسانيته هي الضامنة لذلك.  فالمعوقات التي تطفو من حين لاخر عابرة. . . الحركة هي القانون.  لكن هذه الحركة لا يمكن النظر لها من الخرج فالركود الظاهر في الغالب ما يكون خداعا.  الحقيقة البشرية تتجدد مع كل مولود جديد خلافا لبقية المخلقات التي تعمر مع الإنسان الكون. . . فهذه الأخيرة يمكن أن تنقرض لسبب أو لأخر أما الإنسان فل.

المستوى الثالث

لا إرادة للفرد في هذا التمشي العام ومهما كانت عبقرية الفرد أو المجموعة أو مرضها.

المستوى الرابع

الخلاف والاختلاف داخل المجموعة يعطل المسيرة لكنه لا يوقفها.  الخلاف والاختلاف لا يكون ولا يمكن أن يكون على المشروع الإنساني العام بل على طريقة بلوغه.

المستوى الخامس

مع هذا الحد نصل إلى بداية النضج البشري العام .  يبدأ هذا و يبرز في تفكير المجموعة.  مع هذا الحد تكون الأوضاع الحياتية اليومية قد استقرت في أسسها  ليبدأ الاهتمام يتجاوز حدود الفرد كفرد أو كعشيرة بالمعنى الاثني الجغرافي الضيق ليصل إلى الاهتمامات المشتركة.

بعد الاطمئنان على الذات والحرمات يتسامى الإنسان لطرح الإشكاليات المعنوية التي تحمل معنى وهي التي تقربه  من إنسانيته وبهذا تدخل المجموعة باب ا لتلاقح الفكري فيما بينها ومع المجموعات الأخرى المتواصلة معها  .

المستوى السادس

إنسانية الإنسان مشروع لهذا هي مسيرة.  الحياة كلها مسخرة لخدمت هذا المشروع بما في ذلك العقل البشري.

المستوى السابع

فترات الحيرة في هذه المسيرة تتبعها إما فترة نضج وإبداع و إما الانطلاق من جديد على أسس سليمة. هذه المرحلة توازي عند الفرد مرحلة الإنجاب .  هي مرحلة جديدة  نظرا للمسؤولية الجديدة والفريدة من نوعها.  وعادة ما يكون هذا زمن الاختيارات الشخصية والجماعية على حد السواء.

المستوى الثامن

في هذه المرحلة يطرح معنى الاستخلاف.  هو زمن الإضافات الانسانية.  وهذه يوازي عند الفرد مرحلة الابوة.  في هدا الطور يكون الإنسان أكثر قدرة على التسامي حيث يصل إلى فهم معمق لكنه الإشكاليات .

وكما أن ما يتمناه المرء في هذه المرحلة هي الذرية الصالحة والوقت الطيب الملائم لذلك كذلك التفكير البشري . . . الجيل الجديد هو الذي سيحمل المشعل. . .  ولكن في مكان آخر من المعمورة.


من ظلام الغريزة إلى نور الفطرة

كما ذكرت المجموعة البشرية البدائية لها قوة دفع داخلي وكما يحمل الفرد مورثاته الفردية فهو يحمل مقومات اجتماعيته.  لذلك فان الفرد منذ البداية مهيأ للتعايش والتجانس مع بني جنسه.  كذلك البيئة التي يوجد بها الفرد هي كفيلة بضمان قوته الحافز على نموه.  الطبيعة تلعب هنا دور الأم توفر لرضيعها الغذاء لتهيئته نفسانيا لمرحلة بروز العقل.  الطبيعة توفر الحظن اللازم للفرد فيتفرغ إلى تهيئة نفسه لمراحل إنسانيته القادمة.

المناخ أساسي فهو من مستلزمات تحرك العقل.   الأرضية لهذا التحرك الغذاء والطمأنينة.  للتسامي لا بد من مراعاة ضر وف كل مرحلة.  هناك من سيتسامى تدريجيا دون المرور برجات أو صدمات قوية وهنالك من سيمر بصراعات مختلفة. . . .  وما الصراع الفكري فهو سنة من هذه السنن التي من المستحيل استئصالها.

الموضوعية صعبة المنال.  في سعي الفرد لهذه الموضوعية. . . تفجير لصراعات جديدة. في هذه المرحلة لا ينحصر الصراع في ضمان البقاء. . سيعوضه صراع من نوع جديد يتماشى مع المرحلة الجديدة. . . صراع الآراء والأفكار صراع القناعات.  هناك من سيتشبث بحقوقه المكتسبة وهناك من يبقى تحت تأثير غرائزه الموروثة عن النظام الحمائي المبني على القوة العضلية وما كانت توفره من حماية للضعفاء والجبناء الخ. . . الخ. . وهنلك كذلك من سيتسامى ويثور على النمط الحياتي الفكري القديم ومخلفاته فيأخذ الصراع منعرجا آخر حيث يصبح صراعا فكريا بالأساس حول مفاهيم تتجاوز الاهتمامات الصرفية الآنية الضيقة .

لكن هذا الصراع المتحضر إذا صح التعبير سيبقى بالتوازي مع الصراع الآخر البدائي. . .

اكتشاف البروتينيات في اللحوم لعب دورا مهما في حياة الفرد والمجموعة.  بعد خروج بنو إسرائيل من مصر وتجاوزهم البحر الأحمر لم يكن معهم زادا يتحملوا به مشقة السفر.  و لم يكن  لهم  ضمان الكفاف وسط محيط صحراوي غير مضياف فمن الله عليهم بالمن والسلوى. . . وهو أساس الغذاء السليم .  غذاء يتظمن النشويات في المن والبروتينيات في لحم السلوى.  بهذا يشتد ساعد الفرد ليتفرغ لمهامه التي خلق من أجلها.

من هذا المنطلق الصيد لا بد من وضعه في هذا الإطار.  لقد وصل الإنسان إلى مرحلة يتطلب فيها جسمه البروتينيات ولكن هذا ليس كل شئ .  هذا الجانب المادي أما الجانب المعنوي والأهم  أنه بهذا سيصبح الإنسان كاسرا من الكواسر .  ولهذا وجب عليه في طلبه لقوته التعامل مع من يشاركه هذا النوع من الغذاء. وهذا من الأسباب الرئيسية التي ستدفعه للتدبير. . . دون الرمي بنفسه للتهلكة.  في البداية ذكاءه لم  يتجاوز به الاهتداء إلى بعض الحيل مثل المباغتة ونصب بعض الفخاخ. . . لكن الحاجة والخوف وكذلك نجاحه الأول سيدفعه لتطوير وسائل صيده أي وسائل القتل.  في هذا المناخ عنصر التضامن بين أفراد المجموعة  لا بد أن يكون قويا. . . بالرغم على أنه لم يصبح قناعة بعد لم يزل ضرورة ملحة لضمان البقاء.

المخاطر والتنقل ستزيد اللحمة بين أفراد المجموعة و تفرض نوعا جديده من التنضيم.

تنوع المشاغل وكبر المجموعة عدديا رفع النقاب على ثغرة هامة تتمثل في إشكالية التفاهم والتواصل بين ألأفراد.  الروائح والإيماءات والإشارات لم تعد تف بمتطلبات المرحلة الجديدة.  لا بد من طريقة وتقنيات جديدة تسهل التعامل والتواصل.  الحركة أصبح وقعها أسرع والمساحات المغطاة أشسع. . . في البداية كانت بعض الحفريات الأرضية وبعض الآثار تفي بحاجة المجموعة الضيقة التي لا تتعدى مشاغلها طلب الكفاف.  ولكن متطلبات المرحلة الجديدة تقتضي التطوير لترتقي لمصاف التواصل المقصود الواضح . .

القتل العنف الكر الفر. . كل هذا كان من بين الدوافع التي أدت لوجود طريقة ما للتواصل بين مختلف أفراد المجموعة أثناء قيام كل واحد منها بدوره. .  لكن ألان الصيد لم يعد لا عشوائيا ولا يمثل كل متطلبات المرحلة لذا وجب الارتقاء إلى متطلبات العصر كما يقال ألان.

الرسم ليس بصوت لكنه يدل على حزمة من الأصوات. . . لذا هو معنى عام يتلقاه المتلقي كاملا غير مجزء.  لكن الكلمة تطور لهذا المنطلق الذي لم يعد يفي بمتطلبات المرحلة.  الكلمة أصبحت رمزا يدل في آن على حسية الشيء والمعنى المسقط عليه.

إذا وجدت وسيلة التخاطب تكون الضروف الموضوعية قد توفرت لإيجاد نظام اجتماعي.  لماذا؟ بداية لان الصورة انقلبت وأصبحت المجموعة أهم من الفرد بعد أن كانت المجموعة عبارة عن عدد من الأفراد يسهر الجميع على رعاية وتوفير راحة المتسلط منهم عليهم.  أما الآن أصبح الفرد يسهر على راحة الكل لأن في بقاء المجموعة ضمان لراحة وبقاء الفرد.  هذا ما خول انقلاب المفاهيم من مفهوم التسلط الفردي إلى مفهوم السلطة المعنوية الجماعية.  كلى المفهومين يمثل عصرا من عصور النمو الفكري عند الانسان.  هذا النوع من التضامن الذي لم يصبح بعد اختياريا هو الذي سيكون بذرة الحمية فيما بعد.  هو وعي أرقى من الوعي الغريزي البحت.

ضمان الأمن الجماعي أفرز الاستقرار الجماعي وهذا بدوره سيهيئ لقفزة نوعية اخرى.  بداية  كانت الحاجة ملحة للتواصل .  وفي وقت لاحق الحاجة للتخاطب أوجدت صيغا لذلك.  صيغا تخدم العقل والفكر.  فكون ذلك لحمة قوية بين أفراد التجمع نتج عنه التفكير الجماعي وبذلك وقع تجاوز ردات الفعل الفردية الغريزية البحتة. . . فكان ذلك أكبر خدمة للأمن الجماعي. . . الراحة من الجهد اليومي لضمان الكفاف والطمأنينة أفسح المجال للتحرك فبعد الانشغال بحماية الذات نظر الإنسان لما حوله للفهم هذه المرة.   حبة من كذا تعطي كذا حبات. هنا ارتقى التفكير إلى مستوى التفكير العقلاني.  صفحة جديدة فتحت التجريد وبسرعة تحرك العقل فوقع الاهتداء إلي نظام الإحصاء العدي وهو تجريد بحت.

التحولات المناخية أجبرت التجمعات البشرية على الحركة. أصبحت الحركة فتحا للآفاق  فهجروا الكهوف والمعارات بدون رجعة. .  وهذه من الحكم العميقة من الابتلاءات. .  الابتلاء ضاهره نقمة وباطنه رحمة. لكن الفرد لسذاجته يقف عند الضاهر فيفوت على نفسه الرحمة.

الابتعاد عن الكهوف دفع بالعقل لوجود حل لإشكالية السكن وإذا به يكتشف علم التصرف في الفضاء.  اكتشاف التصرف في الفضاء فوق سطح الأرض بعد أن كان يعيش في أحشائها مثل نقلة نوعية أخرى في صحوة العقل زيادة على ما خوله للفرد من استقلالية.  هكذا فتح باب الهجرات الطوعيةالمنظمة.  هذه الحركية مكنت بدورها من التغلب على عائق آخر استعمال المجاري المائية والبحار التي كانت تمثل عوائق وحواجز طبيعية. . وهذا ما سيفتح بدوره عناوين أخرى كثيرة ومتنوعة ومتشعبه.

كل هذه الفتوحات والتطورات النوعية لا يمكن ولا يعقل أن تكون عرضية أو عبثية أي ناتجة عن محض الصدفة.  إنسانية الإنسان هي الدافع وراء هذا ومحدودية فهمنا لطبيعة هذه الإنسانية هي التي أوقعتنا في فخ قصور نظرنا.


الحضارة لا تصرف في الجمع

قصة استرجاع الذاكرة

الكثير يغفل بديهة أساسية إن أول إنسان هو نبي.  من هذا المنطلق كيف يمكن للدين أو للأيمان أن يكونا غريبين عليه؟

في البداية لما كان آدم في الجنة كان مرتاحا أتم الراحة وكان سعيدا أتم السعادة وبالرغم من راحته وسعادته زيادة على حمل عقله الأسماء كلها. . . كان عقيما لا ينتج.  عقيما بالمعنى الابداعي.  ولكن رغم هذا العقم فطرته كانت سليمة و هذا هو الأساس.  عقم العقل لا يوقف المسيرة يعطلها فقط أما فساد الفطرة يوقفها ولهذا ما دامت الفطرة سليمة فان الحبسه وقتية.  لماذا ؟ بكل بساطة لان العقل معطى للإنسان التصرف فيه أما الفطرة مثلها مثل الروح فهي من أمر الله.

من الفطرة إلى الغريزة. . منطق نسيان الأسماء

يقول المولى جل وعلى " ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون" لا لبس في الهدف من الخلق العبادة أولا و العبادة ثنيا والعبادة أخيرا.  ضاهر الآية وباطنها يذكر بأمر بديهي ولا كنه كثيرا ما ينسى من سوء الحض أن الإنسان لا يمكنه العيش دون عبادة لماذا؟ ويجيب المولى " خلق الإنسان ضعيفا " .  إذن من الحكم البليغة. .  الإنسان محتاج للأيمان للتغلب على ضعفه الفطري.  ماذا سينجر عن هذا ؟ أنه في صورة ضياع العبادة آلتي خلق من أجلها فانه سيعبد ما دون الله وفي ذلك منتهى شقوته .  أنواع العبادة لا تحصى ولا تعد وليس أقلها عبادة الأوثان كما يخال للبعض. وهذا ما يبرر صدق قول بر قسن             أن كل الثقافات على اختلاف عصورها وفضاءاتها يمكن أن ينقصها هذا الجانب أو ذاك من الفنون أو العلوم أو الثقافات أو الفلسفة ولكن ما ثمة ثقافة أو تجمع بشري يخلو من دين أو من طقوس دينية.

ما يهمنا هنا هو ما يميز العبادة الحق على بقية العبادات.  والعبادة الحق هي العبادة التي قصدها المولى في ما أشرت اليه.  الكل يعلم أن خلق الإنسان في جانب منه لا يختلف كثيرا على خلق بقية الكائنات. . . ومهما كان التشابه الخلقي لا يمكن أن تبنى عليه فلسفات أو نضريات تتجاوز تبرير مآرب أخرى. هذا التشابه الذي يرجع في الواقع لوحدة الخالق لا يمكن أن يحجب التمايز الذي يفرق بين المخلوقات. أضيفت للإنسان الروح فميزته عن بقية المخلوقات المادية وأضيف له العقل فميزه عن المخلوقات النورانية. لكن هل أن الجسد على هيأته التي عليها وروحه وعقله هي كل أبعاد إنسانيته؟ لا بطبيعة الحال. لا يزال ينقصه البعد الغريزي التي ستغذي أحاسيسه ومشاعره.  سوف نرى الحكمة من هذا البعد الذي برز واكتمل مع ظهور حواء. هذه نقطة مهمة لا بد من توضيحها. حكم" الذكور "على حواء سطحي إلى غاية السذاجة. تعتبر حواء في بعض الثقافات الدينية وعند بعض الجهلة من قومنا أنها مغرية آدم وهي بذلك سبب نزوله من الجنة وبكلمة هي السبب في الشقاء الإنساني على الارض. . .

الغرائز بعد من أبعاد المخلوقات. .  حسب الرواية الدينية بقى آدم كم سنة في الجنة ولم تذكر لنا الرواية أن فكره أبدع شيئا ما. . . لا بد لنا من التساؤل لماذا؟ وكأن قصة تحرك عقله بدأت يوم خلقت حواء.  وفعلا هذا ما وقع.  إذن وجود حواء لم يكن سببا في شقاء البشر بل هي النعمة التي حركت عقولهم . ولولاه لما أستخلف آدم في الارض.  أو لكانت استخلافه فيها محض جهد وعناء .  لنتتبع ذلك. . . .

الأدراكات الكلية من عمل العقل عليها وبها نضع المقاييس الصحيحة.  ويضيف أفلاطون على معلمه سقراط صاحب هذا المبدأ العام أن عالم المثل مستقل عن عالم العقل.  لكن يبقى السؤال كيف توصل العقل إلى معرفة عالم المثل المستقل عنه؟ ويجيب أفلاطون بأن النفس كانت تعيش في  عالم المثل قبل أن تهبط إلى الأرض. . . لذا فقد كانت مطلعة عليه.  ولما نزلت إلى الأرض وقع نسيانه.  لذا العالم معلوم لدى الإنسان ولكنه منسي وليس بمجهول.  ولهذا التعلم هو التذكر ولا شئ سواه.  لكن أفلاطون لم يقل لنا لماذا وقع نسيان المعارف عند نزول النفس إلى الارض.  وما هي الحكمة من بعث نفس لا تعلم من بعد علم؟

أر سطو قنن ما قاله سقراط وأفلاطون وذلك بتحديده التعامل السليم للعقل مع الضواهر الطبيعية.  هذا التعامل ينطلق من الإدراك الحسي صعودا. . . الى التجربة  إلي استخلاص القوانين والضوابط العامة التي تقود وتتحكم في الضواهرالطبيعية وحددها كما يلي.  بداية الإدراك الحسي تليه التجربة فاستخلاص العلاقات والأسباب والعلل فالتأمل لتختم بالاستنتاجات واستنباط القوانين.

إذا كانت الأمور بهذا اليسر ما الذي يجعل هذا التمشي وقف على قلة قليلة من البشر ثم وخاصة لماذا لم يسعد هذا الاستعمال السليم للعقل أهله ؟وما لذي يفسر تعاسة البشرية رغم نجاحاتها المنقطعة النظير ماديا ؟ثم خاصة  إذا كان ما استنبطه العقل تناغما مع هذا المبدأ هو عين اليقين لماذا يظهر خطأ "عين اليقين " بعد كذا سنة من التبجح به؟ الجواب في اعتقادي أنه من سوء الحظ أن الأمور لا تسير كما ظنها حكماء اليونان. . .  وعن حسن نية قدموا أو جعلوا من العقل كبش فداء. .  إذ سيكون هو المسؤول عن كل قصور. .  بالنسبة للإنسان مخطئ من يظن أنه مميز عن بقية المخلوقات بالعقل.  لأن العقل مقطوع من جذوره قاصر.  وجذوره هذه هي الفطرة.  وهذا من سوء الحظ لم يدركه الجميع.  المسلمون اهتدوا لهذا ولكنهم  عجزوا في ربط القنوات بين الفطرة والعقل .  ولهذا لم يستطيعوا بلورة نظرية عملية موازية للنظريات المادية في هذا الشأن.  في طمس الفطرة فساد المرجعية السليمة لكل عمل فكري.

المعرفة ليست مقتصرة على باب من أبوابها .  المعرفة جامعة لكل ما يهم عمارة الأرض في جانبها المتعلق بالانسان.  كل فرد يحمل فطريا الباب الذي سيلج منه للمعرفة التي هي معطى جماعي وهذا معنى من معاني أن الطبيعة مسخرة لخدمة الإنسان .  أي أن كل ما يوجد في الطبيعة عنده ما يقابله من المعارف وعقل الإنسان قادر ومهيأ لتفجيره.  ولكن الفطرة هي المدخل لهذا الباب. . . وليست الاحتياجات الاجتماعية المبنية على الجشع ومتطلبات السوق الخ الخ. . التربية يجب أن تتجه إلى تفجير فطرة الإنسان وليست تلبية حاجة سوق الشغل.

هنا تصبح حكمة فلاسفة اليونان في المعرفة محقة في كون التعلم لا يتمثل في إضافة ما ليس موجود بل إخراج ما عند الإنسان بالقوة إلى الفعل.  ولكن الأشكال هو في الالتزام بالمنطق الارسطي للوصول لهذه الغاية.  لأن المنطق الأرسطي هو من بين المسؤولين عما تعيشه البشرية من عقم إبداعي في هذا المجال.

كيف يكون الابتعاد عن الفطرة؟ الفطرة مبنية كما بينت على معنى مثلها مثل الحياة وليست على تقسيم بيولوجي الذكورة والأنوثة ولا على مقدرة عقل الرجل ما لا يستطيعه عقل المرأة.  كل فرد يأخذ أصله من أمه وأبيه الذكر يأخذ أصل معنى ذكورته من أبيه وصورة أنوثته من أمه . أما البنت فتأخذ أصل أنوثتها من أمها وصورة ذكورتهما من أبيها.  لكن اضطراب هذا القانون الأساسي هو سبب من أسباب الابتعاد عن الفطرة وهذا ليس فقط على المستوى الإبداعي بل كذلك على المستوى العضوي المتمثل في الانجاب. وهذه من الأسرار الكامنة وراء عجز العلم المخبري على حل هذه الإشكالية . اذن العقم الإبداعي مثله مثل العقم العضوي مرده اضطراب البرمجة الإنسانية  .  إذا تعطلت البرمجة أو تشوشت أو أصابها خللا ما ينعكس هذا مباشرة أو تدريجيا على كل ما يمس حياة الفرد أو المجموعة لذا يمكن معذرة السفسطائيين الذين اشتبه عليهم الأمر وظنوا أن الإنسان هو مقياس كل شئ.  إذا أخذنا  الإنسان بمعنى الإنسان صاحب الفطرة السليمة وقتها لا تضارب فيما  ذهبوا له وما قاله سقراط و أفلاطون وأرسطو.  إذن لا الحواس هي الفيصل  ولا العقل والأفكار الفطرية لوحدها ولكن كلاهما إذا سلمت الفطرة.

قال المولى جل وعلى" ما خلقت الإنس والجان إلا ليعبدون".  من هنا لا يمكن تصور خلق فرد واحد لهذه المهمة.  بمعنى آخر كيف يعبد الواحد الواحد؟ الواحد تعبده الكثرة.  من هنا جاءت حكمة خلق حواء.

حواء لم تخلق مباشرة من طرف المولى كم كان الأمر بادم. . . لحكمة خلقها من ادم. اذن بداهة الرجل هو أم المرأة. . ولم يكن استنساخ كما يتخيله البعض.  لان الاستنساخ هو تكرار للمثل أما حواء فقد كانت صورة من الأصل.

إذن أصل الخلقة هو آدم وصورة الخلقة هي حواء. بمجرد رؤية آدم لحواء عقلها.  لماذا ؟ لأنه رأى صورته فيها. . وخاصة رؤيتها حيرت فيه ما لم  يعهده في نفسه من قبل. . . الرغبة. . . الرغبة  ومن الطبيعي أن يرى فيها ما حيرته فيه. . . . لكن هذا التأثير لم يكن أحادى الاتجاه كما أثارت فيه رغبته بجسدها أثار فيها رغبتها  بمشاعره . فاستجابا لبعضهما هي بجسدها وهو بمشاعره. . . . وعوض أن يدفعهما هذا لفهم الحكمة من ذلك حملا بعضيهما مسؤولية ثلمتهما.  فغابت الحكمة وبدأ الصراع.

علم آدم مباشرة الأسماء كلها وترك له مسؤولية اكتشاف غرائزه ومشاعره التي وجدت كما بينت  لقاح للعقل. . .  وهذا ما غاب عنهما.

انبهارهم بمشاعرهم و غرائزهم جعلهم يتعريان على سلبياتهم نتيجة لعدم فهمهم لما حملوه  نتيجة إنسانيتهم .  فأخذوا غرائزهم على أنها محنة وعاشوها كذلك.  غوصهم  المرضي في هذه الإشكالية حجب عنهم الأسماء التي حملوها. . . وأصابهم ما يعرف اليوم بمرض فقدان الذاكرة.

وهذا ما سيعيننا على فهم ما ذهب إليه أفلاطون وسقراط في حديثهم عن تذكر المعرفة. .  وكذلك حديثهم عن عالم المثل .  وكيف أن النفس لما نزلت إلى الجسم نست معارفها.

تقدم الإنسان في اكتشاف غرائزه وقصة قبيل وهبيل أعطت للصراع وجها دمويا. . وهو مستمر إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها.

حب التملك أدخل البشرية في دوامة لا قرار لها أدت إلى المزيد من  تحييد العقل.  لكن الأهم من هذا كله أن هذه الواقعة أدخلت المزيد من الشك والريبة من حواء.

في البداية اتهمها أدم بأنها السبب في تعبه. . بحيث وجد في وجودها سبب تعاسته وشقائه وخروجه من الجنة . في الأول لم تقتنع حواء بهذا الاتهام.  لكن بعد تقاتل قبيل وهبيل من أجلها انتابها الشك وتساءلت لماذا أينما حللت. . . حلت المشاكل. . ؟ هنا شعرت بالذنب. . . ولن يفارقها ما دامت بجانب آدم بعقليته المريضة.

جموح الغريزة دليل على غياب العقل وغياب الغريزة دليل على عقم العقل. . .  وإذا بهذا الذي كرم بالعقل على باقي المخلوقات كاسر من الكواسر .  يقتل ليضمن كفافه أي بقاءه وليعقل لا بد له من أن يشقى وينصب.

قصة الحضارة هي قصة استرجاع الذاكرة وهذا ما تفطن له حكماء اليونان ولكن الذي فاتهم  هو أن دور الإنسان في الأرض إعادة كتابة قصته . . . الى أن يعرف أنه نبي وأن مسيرته الطويلة تحتوي على محطات تقوده في النهاية إلى نقطة الانطلاق. . أنه مخلوق وخالقه واحد مع الفرق أن هذه المعرفة لن تكون  عن طريق الوحي والالهام ولكن عن طريق عقله.  بإمكان الحضارة البدء على أسس أخرى مخالفة تماما  للأسس التي بنيت عليها. . لكن الحكمة الإلهية أرادت لها هذا التمشي والمنهاج وكذلك تقدير الزمان المعلوم لبلوغ الهدف.

إذن لا الغرائز ولا المحن يمكن أن تعطل هذه المشيئة  .  كذلك توقف مسيرة العقل إبداعيا لهذه الأسباب أو لغيرها لا يطيل ولا يقصر في عمرها .

التاريخ صراع بين الفطرة السليمة والطبيعة الإنسانية الجشعة.  والثقافة في جانب منها هي نتيجة لهذا الصراع وليست محصورة في التعامل الميكانيكي بين معطيات الواقع والصراع الاجتماعي كما يتشبث بذلك التيار المادي.  الصراع الطبقي الذي تحدث عنه بإبداع منظروا الفلسفة المادية هو انعكاس لهذا الصراع الأعمق.

وما نعيشه اليوم من عقم إبداعي هو نتيجة لتحييد أبعاد الفرد الإيجابية التي تعمل كمغذ للعقل. بتعطيل هذه الآلية أصبحت الغرائز الرافد الوحيد للعقل فانحرف عن مساره.  فضاع وأضاع.  العقل لم يخلق ليتكلم باسم الواقع المادي المعيش فقط بل خلق كناطق باسم كل أبعاد إنسانية الإنسان.  لكنه لما بتر منها ولم يترك له إلا ما يربطه بالغرائز. . . . وصل الى ما نعيشه اليوم.

المعرفة انحرفت عن منطقها ومنطلقها وهدفها عندما خصصت لاكتشاف القوانين التي تتحكم في الضواهر الطبيعية.  العجز لا يجب أن يحسب على العقل ولكن العجز في منهجهم الذي كبلوا به العقل.  العقل ليس بضمير الإنسانية إذا ابتعد عن الفضيلة تعطل.  العقل كالحاسوب يعمل بما تمده من معطيات. . والذي أوصله إلى ما هو عليه اليوم من عقم هو بتره من رافد من روافد مرجعياته الفطرة

نزل إذن آدم تدفعه حيرته وشعوره العميق بالذنب والضياع محملا حواء مسؤولية قصر نظره. . فحيرها معه فضاعت المعرفة التي يحملها  والحكمة من ورائها.  ومع النصب والشقاء والتعب أخذ الإنسان يوثق فتوحاته اكتشاف النار . . اكتشاف المعادن. . اكتشاف النظام الشمسي. . اكتشاف الجاذبية  . . اكتشاف قانون النسبية . . الخ  . . الخ. فظن عن جهالة أن هذه الفتوحات لا يمكن أن يكون لها عنوانا آخر غير التحكم في الطبيعة وتحسين معاشه والسيطرة بها على من لا يمتلكها. .

هي فعلا كذلك ولكن هذا هدفها الآني ولكنها في الواقع دلالتها أعمق من ذلك بكثير. فهي محطات أساسية وجوهرية على طريق معراج العقل. . فى سعيه لمعرفة خالقه وعظمته ومقدرته وعلمه الذي لا يمكن أن يحاط به و لا يمكن أن يكون القصد منها المعرفة فقط أي لتضخيم نرجسية الانسان.  العقل خلق ليعرج ليتسامى ليرجع الأمانة إلى بارئها.  ويجيب كما أجابت الملائكة من قبله" سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا وأنت علام الغيوب".

الإيمان كالمعرفة تجربة يومية وممارسة آنية فرض لغاية أسمى.. وخاصة ليقود المعرفة. . ولأسباب فصل عن المعرفة. فأصبح كما قال الغزالي مبعث المعرفة هي الحيرة.

المنطق التربوي المبني على ما ذكرنا يقتضي تلقين الطفل ليترقى في مدارج المعرفة.  لماذا ننكر هذا عن الدين؟ وكانت هذه وضيفة الأنبياء والرسل. تأتي الرسل لاحياء الجذوة التي تحملها الفطرة وليس لتعليم الإنسان ما لم يعلم تأتي الرسل لتعليم الإنسان ما جهل. . ولذلك كان خير البرية أميا ولم يكن جاهل.

الأمي هو الذي لا يزال على فطرته والجاهل هو الذي انقطع عن فطرته ولو كانت له أكواما من الشهائد المدرسية.

الإنسان في خضم غوصه في معرفة غرائزه وما يتبعها من مشاعر وعواطف حيد عقله عن مساره وطوعه لتبرير غوصه في ملذاته. . وهذا ما نلاحظه اليوم أينما ولينا وجوهنا وخاصة بالغرب باسم الحرية أطلقوا العنان لغرائزهم.

في تلجيم العقل ضياع المعرفة بجانبيها "الأدبي" والايماني. .  لقد فرح الكثير لتغييب الدين  ظانين أنه انتصار للعقل على الخرافة وإذا بهم في مستنقع الغرائز.  الهروب إلى الأمام هو الذي يدفع بنا لخلق الذرائع لتبرير هذا الضياع. . والنغمة الوحيدة السائد لتكفيرنا "الحرية وحقوق الإنسان". هذه كلمة خير أريد بها شرا.  لأنه فعلا الحرية وحقوق الإنسان يمثلان جوهر المعرفة. لكن ليست المعرفة التي يتحدثون عنها هي الضامنة لهذه الحرية ولحقوق الانسان. المعرفة التي يقع التباهي بها اليوم هي التي بررت ضرب اليابان بالقنبلة الذرية وهي التي حكمت على أدغال الفياتنام واراضيه بالعقم لمئات السنين من جراء النابالم. .  والتي لوثت طبقة الأوزون الخ. . الخ . . أصبح الجشع هو القانون.   الماكينة الاقتصادية التي أصبحت تمثل محور الحياة تبرر كل شئ. . . اغتصاب الأرض والعرض.  كل الحروب اليوم مثل الأمس قامت وتقوم لأسباب اقتصادية الإضافة الجديدة الوحيدة هو أن أصحاب هذه المصالح هم الذين يرأسون بلدانهم الآن وكل هذا باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

حضارة الكفاف التي ابتدأت بها البشرية. . . تنتهي إليها دائما المسيرة العقلية المبتورة من انسانيتها. وهي تمثل في الواقع الدورة الحضارية التي تكلم عنها المفكرون.  بمعنى آخر كل دورة حضارية تبدأ وتنتهي بالهاجس الاقتصادي الذي يلبي غريزة الكفاف.  والبداية كما النهاية يتميزان بغياب العقل أو بلاحرى بتحييد العقل لأن العقل لا يلغى تماما.  لكن تواتر الحضارات ليس بتكرار للمثل بصفة اعتباطية عشوائية كما يتهيأ للبعض.  تواتر الحضارات فيه نضج للعقل الذي يهيئ بدوره لحضارة الأيمان.  وكما كان الحال في بداية مسيرة الإنسانية المرور من الغرائز إلى العقل تطلب الكثير من النصب كذلك الشأن ألان لا بد من الجهد والعناء للمرور من العقل المادي البحت المبتور من فطرته إلى العقل المبدع المتناغم مع الفطرة.  وبطبيعة الحال معركة الإيمان لن تكون أقل صعوبة من معركة الأذهان.

الغريزة والعقل والإيمان هم أساس المعرفة. . . ومهما اختلفت سبلها.  غايتها هو الإقرار بأن "لا اله إلا الله " لكن عن طريق العقل وليس عن طريق الوحي.  تنتهي الحضارات والثقافات عندما يقف الإنسان بعقله على هذه الحقيقة.

خلق آدم لم يكن شيئا متميزا لا في مادة خلقه ولا في طريقة صنعه. و لا ننسى أن أول بشر هو نبي. ولكنه يحمل كذلك الأسماء كلها.  الأسماء كلها بدون نبوة هو ما نعيشه الآن والنبوة بدون عقل لا تعمر الأرض.

الحكمة الإلهية شاءت أن يكون بناء المعرفة على مراحل.  تتبعنا البدايات وكيف أخذ العقل تدريجيا زمام أموره.  كانت المرحلة الأولى مرحلة غريزية بحتة. ودخل العقل تدريجيا وفرض منطقه في الفهم وفي السعي. . . ولما تمكن العقل برز الأيمان من حجابه.  وكما فرض العقل منطقه وتمشيه سيفرض الأيمان منطقه وتمشيه وبذلك تكون التجربة البشرية دخلت مرحلة نضجها. الإنسانية ليست مجموعة أفراد في وقت معين بل العقل الذي يقود المجموعة في زمن معين.  ولكن الجهل قلب الوضعية وأصبحنا نتحدث عن العالم كذا والحكيم كذا هذه أسماء سميناه نحن بأنفسنا مثلما عقل آخرون بالتماثيل. . قبل و هبل ويعوق. . الخ. . الخ. .  المهم العقل والعقل لا جنسية له ولا انتماء عرقي له. بعث لاداء رسالة مهمة.

مثلما يعتمد العقل في عمله على المفكرة التي من بين وضائفها الترتيب والاستنباط . . كذلك القلب يعتمد على الهمة التي تلاحظ ترتب وتستنبط .  وكذلك كما للعقل  روافده للقلب روافده وتتمثل روافده في أبعاد إنسانية الإنسان وعلى رأسها الروح . والروح تحتوي على الفطرة. هذه الفطرة لا تتعامل فقط مع الروح ولكنها تتعامل كذلك مع العقل عن طريق المفكرة وهي لها كالمرجعية.

إذن أبواب المعرفة شتى العقل واحد منها.  وهنا نفهم معنى الحديث النبوي الشريف الذي يقول " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"لأن ميزة الأنبياء الفطرة السليمة التي  عليها يعتمدون. فهم لا يعتمدون على العقل في استنباط الشرائع وهنا يتنزل كلام سبينوزا في تمييزه بين الأنبياء والعلماء حيث يقول " إن مجرد الخيال لا يتضمن بطبيعة الحال اليقين على نحو ما تتضمنه كل فكرة واضحة ومتميزة بل أن من الضروري للحصول على اليقين أن نضيف إلى الخيال شيئا ما هو الاستدلال.  ويترتب على ذلك أن النبوة لا تتضمن بذاتها اليقين ما دامت تعتمد كما بينا على الخيال وحده.  وإذن فالأنبياء لم يكونوا على يقين من الوحي الذي وهبهم الله إياه عن طريق الوحي نفسه بل اعتمادا على آية( أي علامة) ما. "(سبينوزا  رسالة في اللاهوت والسياسة ترجمة وتقديم د.  حسن حنفي دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت).  والكل يعلم المكانة التي أعطاها ا لمولى للعلماء .  لقد خصهم بما لم يخص به الأنبياء في قوله " إنما يخشى الله من عباده العلماء " وهذا ليس بأفضل إشارة لهم في كتابه العزيز حيث يقول " شهد الله أن لا اله إلا هو والملائكة أولوا العلم " .  الرسل والأنبياء لا يخاطبون المفكرة لاقناعها  بل يخاطبون الماهيه لاذكائها.  لهذا لم يبعث أي نبي دكتور في الفلسفة أو في علم الأديان المقارن الخ. . رسالة الأنبياء تعتمد على الفطرة لاذكاء العقل.  عندما يحقق العقل ذاته لا يبقى في حاجة إلى دليل أو مرشد ليأخذ بيده .  ولذلك كان سيد الخلق خاتم النبئين.  معه يكون العقل قد وصل رشده. .

هذا لا يعني أن الأمور ستمر بيسر  .  أبدا .  الفارق الوحيد هو أنه ترك لنا ما بين أيدينا ما أن أتبعناه لن نظل أبدا. هذه مرجعية لن يأتيها الباطل من أي جهة كانت.

الإنسان ليس بمدني بطبعه كما قال العلامة ابن خلدون.   الإنسان مدني بفطرته واجتماعي بطبعه.

من هنا نفهم التطور البيداغوجي للاديان. فهي تخدم لغاية واحدة إنضاج العقل تدريجيا. . وجاء الإسلام ليس كدين مضاف بل كدين جامع.

سانت هيلر مارتمي ربط نشأت الأديان بحيرة الإنسان وتساؤلاته عن ذاته ومصيره وعما يراه من حوله من حياة أو موت.  بار قسن كما رأينا تساءل عن مغزى عدم خلو أي فضاء ثقافي أو حضاري من ممارسات دينية. رغم افتقارها نسبيا أو كليا  للجانب العلمي أو الفني الخ. . الخ

اذن ما الذي جعل الدين والطقوس الدينية ترتبط بالإنسان؟ لنرى ذلك. .

في البداية لم يكن الإنسان شيئا مذكورا كان شيئا مرجوا في نفس أبويه. . . ثم شيئا فشيئا أصبح أمرا مطروحا بينهما ثم انتهى شيئا محسوسا في بطن أمه. . وحسب القران والعلم الحديث مع الشهر الثالث أو الرابع. تكتمل فيه مقومات الحياة الخلقية بمعنى آخر يصبح قابلا مع هذا العمر لتقبل انسانيته.

سؤال لماذا لا يولد الفرد البشري مباشرة بعد استواء مقوماته العضوية؟  إذا ولد الفرد في هذا الحد من النمو الفيزيولوجي يكون مثله مثل بقية الحيوانات.  لماذا ؟ لأن هذا المستوى من النضج   يضمن الحياة الغريزية ولكن لهذا خلق الإنسان ؟ لا بطبيعة الحال.  لماذا خلق إذن الإنسان؟ لقد أجاب الخالق على هذا السؤال.  "ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون".  ماذا تقتضي هذه العبادة؟  والجواب بكل بساطة . . . هذه العبادة تقتضي ما سيضاف له ليميز عن بقية المخلوقات.  يقول المولى جل وعلى "و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم خلقنا النطفة علقه  فجعلنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عضاما فكسون العضام لحما. . . "مع هذا الحد يكون الجنين قد وصل إلى مرحلة التسوية. . ويكون هذا مع الشهر الثالث أو الرابع.   وبداية من هنا تبدأ الإضافة التي ستهيئ للعبادة المميزة.  يقول المولى مواصلا ما سبق «ثم أنشأناه خلقا أخر. " الإضافة إذن ستجعل من هذا الكائن " خلقا آخر ". ما هي هذه الإضافة ؟ وتتواصل إجابة المولى "وإذ قال ربك للملائكة أنى خالق بشر من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين".  إذن بعد التسوية تأتي الإضافة "النفخ".  إذن الروح ستعطي إضافة عن بقية المخلوقات.  وبهذا يكون الإنسان قد حمل مقومات تجاوز غريزته وهذا بحمله رسالة مخصوصة من المولى.  نعم لقد حمل الإنسان رسالته و لكن كيف له بفك رموزها؟. .  وكيف له بترجمتها على أرض الواقع ؟. .  وهذا ما سيكون موضوع تمييز اخر.  بالتمييز الأول كرم عن المخلوقات الطينية وبهذا التكريم الجديد سيكرم عن بقية المخلوقات النورانية.  والدليل نجده بصورة البقرة "و علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤون  بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. . " إذن التمييز الجديد هو العقل.  وبهذا يكون آدم قد أخذ المعول الذي سيخوله فك رموز تكليفه ورسالته.

المولى لم يخلق آدم لمجرد عمارة الأرض.  لقد جعلت عمارة الأرض لغاية أسمى.  لأنه لو كان الأمر كذلك ما المعنى لجزم المولى في قوله " ما خلقت الإنس والجان إلا ليعبدون. ؟.  إذن عمارة الأرض تكون لا معنى لها إذا لم تكن عبادة.  وهذه فلسفة الايمان.  عمارة الأرض بوابة لمعرفة الحق. .  والعقل هو المعول المخول لهذا الغرض. وهذا من خلال القوانين والحقائق التي سيكتشفها أثناء مباشرته لعمارة الأرض. وهذا في اعتقادي إحدى رموز معنى الإيمان بالغيب. أي لا بد في نهاية الأمر من أن تؤدي عمارة الأرض  إلى معرفة خالق  الكون والعقل هو المعول الذي سيخول الوصول إلى هذه  الحقيقة من خلال القوانين والحقائق التي سيكتشفها أثناء مباشرته لعمارة الأرض. .  بمعنى آخر كل الطرق تكون مؤدية لمعرفة الحق. .  وهذا ما فهمه فلاسفة الإسلام .  كلهم دافعوا عن العقل كطريق مؤدية لمعرفة الله. . وكانت إضافتهم  لمن سبقهم . .  وما أخذه عليهم اللاحقون من أفذاذ الفكر الغربي.

أقر الفرابي بأن العلم ينقسم إلى قسمين الأول متكون من تصور مطلق والثاني من تصور مع تصديق.  التصور الأول لا يتم  إلا بتصور يتقدمه . . وهذا التصور لا بد له أن ينتهي حيث لا تصور يتقدمه فيصبح هذا التصور واجب الوجود وهذه معان مركزة في الذهن.  أما التصور بتصديق هو ما لا يمكن إدراكه ما لم ندرك قبله إدراكا اخر.  وهي الأحكام الأولية وهي كذلك موجودة في الذهن.

خطى ابن سينا على خطى المعلم الفرابي  بأكثر تفصيل  فيقول في المعرفة  هناك أدراك حيواني أما في الظاهر أو في الباطن  الإدراك الظاهر يقع عن طريق الحواس ووراء هذا الإدراك نجد المصورة.  دور المصورة هو تثبيت الصورة بعد زوال المحسوسات.  ثم أن هناك قوة أخرى " الواهمة" ودورها إدراكها من المحسوسات ما لا يحس ويعطي مثلا لذلك الشاة آلتي تفزع عند رؤيتها الذئب  وهي لا تعرفه ولم تره من قبل.  أما القوة الثالثة هي الحافظة وهي خزانة ما يدركه الوهم.  وأخيرا المفكرة وهي التي تتعامل مع الموجودات في المصورة والحافظة فهي تخلط وتفصل .  ثم ينتهي إلى أن الروح الإنسانية  هي التي تتمكن من تصور المعنى وذلك بفضل العقل الفطري. .

ابن مسكويه  ولو أنه لا يضاهي السابقين في الشهرة لكن تحليله من نفس المعدن وهو من الذين أخذ عليه الغرب كثيرا في ما بعد دون ذكرهم له في مرجعيا تهم .  سأتعرض في سياقي هذا لأقواله في النفس. . يقول إن قوى الجسم تعرف العلوم من خلال الحواس.  أما النفس فلها من نفسها مبادئ شريفة التي عليها تبنى القياسات الصحيحة وهذا لا ينفي أن النفس تأخذ أما بصفة أقل مبادئ العلوم من الحواس.  وكذلك النفس إذا علمت أنها أدركت معارفها فعلمها هذا ليس من عالم آخر بل من ذاتها لأنها ليست في حاجة لشيء آخر خارج ذاتها.  وهكذا يتم الفصل   بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية.

الغزالي لم يحاول معرفة المطلق قبل معرفته لنفسه وهذا ما مكنه من معرفة فطرته التي تكونت عليها إنسانيته قبل كل معتقد خارجي مضاف.  تمشيه هذا كان قصده منه التوصل إلى اليقين الذي لا يتطرق إليه لا ريب ولا شك.

ما أتعرض إليه ألان هو ما حاول التنظير له فطاحلة الفكر ألا نساني في محا ولتهم لفهم إنسانية الإنسان وهكذا نرى أن هذا المفهوم ليس بكلمة جوفاء بل لها مضمونا وإذا أردنا التقدم لا بد لنا من فهم هذا المضمون.  على هذا الفهم يتوقف أداء رسالتنا آلتي خلقنا من أجلها والتي تتمثل أولا وأخيرا في عبادة خالقنا.  بلغة العصر الفطرة هي البرمجة.  هذه البرمجة  لست أول من يتناولها لقد شدت انتباه الكثير. لقد تأمل الغزالي في المحسوسات فرأى أن الذي يكذب الحس هو العقل.  لذا تعلق بالمعقولات.  ثم انتابه الشك في أن العقل هو الوسيلة للفهم.  فقال بأن وراء العقل قوة أخرى تكذب العقل في حكمه كما كان الأمر بالعقل لما كذب الحس .  هذا المنهج أدى به إلى اكتشاف وجود أفكار فطرية وهي البديهيات التي لا يصل العقل لليقين إلا بها.  و تأكد كالفارابي أنها معان ظاهرة مركزة في الذهن ولا شئ أظهر منها يقينية إلى أقصى درجات اليقين.  وهذا ما قال به المعلم ابن سينا حيث أكد أن هذا المعقول ليس بتابع لشئ آخر فهو فطرة خاصة .  هذه الفطرة الخاصة سماها البديهيات.  ولتجاوز عقدة الزمان والمكان التي حيرت السابقين واللاحقين وجد الحل في صفة الإرادة.

هذه الصفة هي التي مكنته من تصور ما عجز عنه المفكرون حل إشكالية أزلية العالم أو حدوثه ؟ أي هل أن العالم محدث أو قديم؟ وكان جوابه من نوع السهل الممتنع حيث قال الإرادة هي التي تخول للمولى جل و على أن يفعل أو لا يفعل.  وإذا قضى بفعل أو أمر أو خلق حدد له وقت حصوله. .  يمكن أن يكون ذلك الآن أو بعد مدة .  بذلك تكون الحكمة الإلهية تقتضي خلق الكون في الآجل المحدد له.  لما يصل الوقت المحدد له يبدأ المكان ومعه الزمان.  وهذا متعلق بتقرير الإرادة في الإيجاد.  الانتظار أو العدم.  نعم بعد هذا يبقى تعيين المدة التي سبقت الخلق أي مدة الترك.  وهنا يأتي الغزالي بما لم يأتي به غيره.  حار الجميع في فهم إشكالية الزمن.  يقول حجة الإسلام( وأضيف حجة العقل) الزمن مخلوق إذن هو حادث.  الخلاء الذي سبق الزمان هو بعد بلا نهاية.  ولكن البعد يكون دائما تابع للجسم ولا يستطيع العقل فهمه دون تحديد المكان.  أما الزمان فهو تابع للحركة.   بهذا المعادلة التي حيرت العقول أخرج الغزالي العقل من تيهه.  المكان تابع للإيجاد والزمان للحركة . تحريك المكان الذي وجد بفعل إرادة سابقة أوجد الزمان.

من هنا نتبين كيف انقلبت الآية و أصبح الإيمان آية من آيات المعرفة.  بعد هذا. . . ما الجدوى من الانزلاق في متاهات تحكم على العقل بالعقم. .  مثلما الحال الان. ومع هذا تكون الدائرة قد اكتملت حيث أصبح الايمان هو نبراس المعرفه.