لهب....لهب....لبنان صيفك لهب         حجر أحراش الجنوب....لهب         البقاع أخضرك ويابسك لهب       إلا   ....  إلا رجالك…. من عجب             عجب ....  عجب  …لبنان  عجب

الصفحة الرئيسية تاريخ تدوين

تاريخ تدوين دفع الناس بعضهم بعضا هو تأريخ الإغتراب التاريخ هو شاهد على أن لا تغيير ولا تبديل لسنن الخالق

طباعة PDF

 

1. نشأة فكرة التأريخ وتطورها

(اعتمدت في تحرير هذا الجزء على على مقال مصطفى العبادي " نشأة الفكر  التأريخي وتطوره عند اليونان المنشور بعالم الفكر العدد1 يوليو-سبتمبر2002)

صرواح هي العاصمة الأولى لدولة سبأ. هذه العاصمة تحمل اسم نقش شهير "نقش صرواح". هذا النقش يرجع الى حكم الملك كرب إيل وتر . تحمل تسجل هذه النقوش سلسلة انتصاراته. ومن بطولاته التي يفتخر بها هو قطع دابر أوسان وملكها ،وخاصة يذكر أنه أزال الكتابات التي كانت تزين معابدها  . بمعنى آخر أنه محى أثرهم لا من الوجود فقط بل من التاريخ الذي سيخلد ذكراهم . فهذا هو التاريخ، سجلات الغاية منها الحرص على معرفة ماضينا. نسجل أحداث اليوم لنقرأ غدا. لكن هناك فرق بين التاريخ والمؤرخ الذي يدون هذه الأحداث وما يعرف عموما بالفكر التاريخي. الفكر التاريخي هو تعامل المؤرخ مع المادة التي تركها كرب إيل، على سبيل المثال. كل مؤرخ وطريقته في التعامل مع هذه المادة ومن هنا يأتي اختلاف المؤرخين. وللتمييز بينهم ينظر أولا لملكة النقد عند المتعامل مع التاريخ . ويبدوا أن هذا الفكر النقدي ابتدأ مع الهلينيين في نهاية القرن السادس وبداية القرن الخامس قبل الميلاد  نتيجة لظهور الفكر الفلسفي .  كان كزينوفانيس ناقداهوميروس وهيزودوت يقول على الآلهة " لقد نسب  هوميروس وهيزودوت الى الآلهة كل ما هو شائن ومعيب بين لبشر من سرقة وزنى وخداع بعضهم بعضا " . وكذلك كان المؤرخون في القرن السادس في اليونان ينقسمون الى قسمين هناك من يدون  معلوماته شعرا وهناك من يكتبها نثرا وهذا بقطع النظر على الموضوع المتناول .  فهذا كادموس يكتب كتابه في تأسيس مدينة" مليطة " نثرا أما كسينوفانس كان كتابه في تاسيس مدينة" كولوفون" نثرا .ففي نصف القرن الخامس زلزل الكيان الهليني بالإحتلال الفارسي... وكانت هذه تجربة قاسية هزت الوجدان اليوناني ، لكن أثينا عرفت كيف تصنع النصر وطردت المحتل لتقود حركة الإبداع الفكري بكفاءة فائقة .

حركت هذه التجربة ،العبقرية الهلينية فكانت لها اعكاساتها في جميع المجلات بما في ذلك العبقرية التاريخية .وكان " هيرودوت " أب التاريخ بحق كما لقبه الجميع اشتهر بعلمه وباهتمامه بدراسة الحروب الفاريسية وكان قد عايش الحرب بين اثينا واسبرطة في آخر عمره كذلك . قبله لم تكن لهذا النوع من الكتابات تسمية خاصة تعرف بها مثل الفلسفة أو الريضيات أو الفلك ، ولكن كانت هناك مصطلحات عامة مثل مسجلوا الأخبار ، أو الإخباريون وهم الذين يجمعون أخبار الشعوب . لكن مع هيرودوت بدأت فكرة تصور عام لحركة التاريخ ولأول مرة استبدل كلمة logoi ب historia بمعنى بحث ودرس. وكانت تستعمل في البحث الجنائي وفي المجال الفلسفي حول حقيقة الكون . اذن الامر لم يعد مجرد تسجيل احداث الماضي وانما هو دراسة وبحث . توصل هيرودة من منطلقاته هذه تجاوز الحدث لربطه  بالصراع المستمر في العالم بين أوروبا وأسيا وبين الشرق والغرب  مستشهدا بالحرب الطروادية التي كان يعتبرها مقدمة للصراعات المستقبلية وبهذا تجاوز الآني المستقر الى حركة التاريخ . كان نقده لاذعا لهوميروس  وما أورده عن سبب نشوب الحرب التراودية بحيث كان يرى في رواياته مزيجا من الأساطير القديمة ... لذلك كان هيرودوة ،لجمع معلوماته ،يقوم بالسفر الى مختلف البلدان التي يستطع الوصول اليها  ليتحرى ويدقق ويتقصي . ووصلت درجة نزاهته وموضوعيته حد الإعتراف في كتابه الثاني المفرد لمصر التمييز بين ما شاهده هو مباشرة أثناء زيارته لها وبين ما سمعه من المصريين فيقول " الى هنا كان اعتمادي في كل ما ذكرت  على المشاهدة الشخصية وتحكيم العقل ومواصلة البحث ومنذ الان سوف أشرع في قول ما رواه المصريون لي  مضيفا اليها شيئا مما شاهدته بنفسي ." ( نفس المصدر ) . وكان كثيرا ما يعبر عن شكه أو رفضه لصحة الأخبار ويعلق " يدعي المصريون... ولكن في ذلك يجانبهم الصواب ..." أو " سمعت رواية أخرى ولكن لا أصدقها .." . إذن هو حريص على أن يكون بحق شفافا. لكن هذا لا يعني  أن هيرودوت كان محايدا تماما في عمله هذا ،لا بل بالعكس لقد كان مدفوعا بدافع سياسي قوي عماده قناعته بالزعامة الأثينية وبدمقراطيتها . قناعاته الخاصة كان يتناولها بإسلوبه الخاص الغير مباشر . فعلى سبيل المثال يختلق موقفا داخل العدو لأثينا  من فارس ،ويورد عن لسان احدهم عن مؤامرة وقعت ضد مجوسي  كان قد تمكن من قتل الملك " قمبيز " واغتصب العرش لنفسه . وبعد نجاح المؤامرة للقضاء على المجوسي المغتصب  اجتمع المغامرون للتداول في الموقف وكان عددهم سبعة من النبلاء واعضاء الأسرة الملكية . ويقدم هيرودوت نقاش المتآمرين في طبيعة نظام الحكم ويقدم لنا مضمون الأراء المتبادلة في نظام الحكم . كان فيهم من يدعو الى توجيه الحياة السياسية بيد الشعب ... ولا ينبغي للشعب أن يخضع لحكم رجل واحد مستبد ، يستبد على الجميع وأن حكم الفرد ليس المطلوب ولا المقبول حيث ان التسلط يولد الكبر، والكبر يولد الغيرة وهما مجمع الرذيلة. أما حكم الشعب  فهو يتسم بسمة المساوات أمام القانون ... وفيه كل مسؤول عن أفعاله . ثم يتحدث متدخل مؤيد لحكم الأقلية منتقدا بشدة الديمقراطية، بحيث يكون اختيار، من مجموع المواطنين، عددا مناسبا من فضلائهم ويعهد لهم بالحكم... وما دامت أن السلطة بين ايدي افضل الرجال فمن المنتظر أن تسود في الدولة أفضل الآراء. ثم ينتقل بعد ذلك الى من يرفض النوعين السابقين من الحكم ويدعو الى اختيار افضل رجل . فالإنسان الأفضل طبيعي أنه سيحقق افضل سياسة ... هذا النص يقدم من خلاله هيرودوت نظرته هو حول نظم الحكم. يتناول نظم الحكم الثلاثة المعروفة الملكية  التي تعتمد حكم الفرد والأوليقارشية التي تعتمد حكم الأقلية الثرية والديمقراطية وعمادها حكم الشعب وهو نص له اهميته خاصة في تاريخ علم السياسة.

ثم وقعت نقلة نوعية كبيرة في علم التاريخ بعد هيرودودوت على يد توكوديدس. توكوديدي هو كذلك يتميز باستقلاله الفكري . لقد نشا في عنفوان مجد اثينا الديمقراطي وتوهجها الفكري والفلسفي والسياسي . عاصر السفسطائية وعلى راسها زعيمها بروتاغوراس صاحب مقولة  " الإنسان هو مقياس كل الأشياء . الأشياء الموجودة إنها موجودة والأشياء الغير موجودة إنها غير موجودة. "( نفس المصدر ) . هذا المنطق لا يزال فاعلا الى يومنا هذا ومعناه  أن ليست هناك معارف أبدية مسلم بها وان المعارف تتغير والأحكام تختلف باختلاف الأزمنة والبيئات . لذا عقل الإنسان يبقى هو المقياس الصحيح لهذه الحركة الدائمة . لقد استبطن توكوديدس هذا المنطق وطبقه عن المعرفة التاريخية . ولقد كان  له ميلا آخر : ديمقراطية أثينا . كان يرى فيها أنها تجربة رائدة . لذا توكوديدس لم يكن مجرد مؤرخ من خارج الحلبة بل كان وسط الحلبة وكان فاعلا فيها . وسطه العئلي واعداده العسكري مكناه من المشاركة الفعلية في الحرب .  لقدانتخب لتولي القيادة العسكرية لحماية امفوبوليس  شمال بحر إيجا ولكنه هزم في هذه المعركة فحوكم ونفي من اثينا مدة عشرين عاما . لهذا فإنه قدم مادة تاريخية بأسلوبين الأول اسلوب مباشر : العرض التاريخي المباشرللأحداث وكذلك الخطب السياسية التي تلقى في المناسبات .إلا أنه وعلى خلاف هيرودوت لم يتجاوز حدود مسرح الأحداث عكس الأول الذي تجاوز الفوارق الجغرافية الى الحدود الثقافية: الحضارة الغربية والحضارة الشرقية .

هذا المد الذي عرفه علم التاريخ على أيدي المؤسسين إذا صح التعبير آل به الأمر من بعدهم الى كزيموفون الذي انزلق الى التبسيط والسطحية والسرد الذي لا يراعي لا تحري ولا دقة  ولا عمق النظر . هذا بالرغم من تتلمذه على سقراط لكن تأثير الفكر الفلسفي كان قليلا فيه. والعمل الثاني فزيادة عن سطحيته إنه لم يكن محايدا بل متحيزا. كان متحيزا كل الإنحياز الى اسبرطة . فهو رغم ادعائه مواصلة عمل توكوديدس إلا أنه عكس ذلك تماما . الأول كان يتحرى الموضوعية ومصادرالخبر أما هو لتبرير انحيازه يلتجي الى " لأن الله شاء... «، فهذا المنطق يجرده من ما يدعيه ولا علاقة له بالتصوير الواقعي للأحداث وبذلك يفقد عرضه قيمته التاريخية... فالآلهة التي يتحدث عنها اختفت تماما من عمل أسلافه وأدخلها هو كعامل تبرير.

مع تغير الخارطة السياسية للعالم ما بين القرنين الثاي والرابع حيث برزت دولة مقدونيا كقوة ضاربة غزت اليونان تحت قيادة إسكندر الأكبر ، ونصبت نفسها انبراطورية ذات انتشار واسع شملت أجزاء من أوروبا وافريقيا وآسيا وبهذه طويت صفحة العهد الهليني وفتحت صفحة العهد الهلليستيني حيث تبلورت  فكرة العالمية كافق معرفي  للعقل البشري. ظهرت كذلك في هذه الفترة دولة روما التي اخضعت كاملا إيطاليا وأجزاء كبيرة من أرجاء البحر الأبيض المتوسط غربا وشرقا .وقضت على مقدونيا مما جعلها تقفز من المدينة ( مدينة روما ) الى الإمبراطورية .

برز خلال هذه الحقبة  الزمنية بوليبيوس . نشأ بوليبيوس في عائلة يونانية نبيلة في البلوبونيز. والده كان زعيما سياسيا . أعد بوليبيوس  للقيادة العسكرية والزعامة السياسية في تحالف ظم  مجموعة من المدن اليونانية في البلوبونيز عرف بالحلف الآخي( نسبة لإقليم أخيا). في الحرب بين مقدونيا وروما انظم الحلف الي جانب مقدونيا... وبانتهاء الحرب بانتصار روما على مقدونيا سنة 160 ق م . فرضت روما على الجميع عدة عقوبات  منها أن تقدم 1000 شاب من الأسر النبيلة كرهائن في روما  لظمان استمرار ولائهم . بولوبيوس كان من ظمن الرهائن التي قدمت لروما ولكن حسن طالعه وضعه في عائلة شهيرة  في تاريخ روما اسرة سكوبيوس . وقفت هذه العائلة على الإمكانيات العالية التي كان يتمتع بها هذا الشاب فشجعته على كتابة تاريخ شامل لدولة روما... هذا ما سيخلده مؤرخا لدولة روما. هذا الدور أتاح له  التنقل في كامل ارجاء الإنبراطورية ما مكنه على الإطلاع على الوثائق الرسمية في في مكتبات الأسرة ومجلس الشيوخ السيناتوس . وكانت هذه المكتبات تظم اغنى ارشيف في العالم في ذلك الوقت . وهكذا الجاه والإمكانيات جعلته يهب نفسه لهذه المهنة وانتهى به الأمر الى وضع كتاب " التاريخ العالمي " ( نفس المصدر ).

فكر بولوبيوس كان مبنيا على مبدا عالمية التاريخ وعلى قناعته المطلقة بالتجربة الرومانية في التاريخ .

بالنسبة له دراسة التاريخ تعلم العقل وتهذب النفس... فالتاريخ وحده هو الذي يهيئ العقل للحياة السياسية وهو خير معين على فهم صروف القدر. فهو يقدم نفسه على أنه مؤرخ سياسي  بمعنى له دوافعه السياسية الذاتية بالدرجة الأولى ولكنه يؤمن بأن وحدة تاريخ العلم تحققت نتيجة قيام دولة روما العلمية . أكده في ذلك انتصار روما على حنبعل . فهو مقتنع أتم الإقتناع أن العالم اصبح يعيش تجربة جديدة: تجربة وحدة العالم . فهو يقول بأن الأحداث التاريخية كانت قبله منفصلة بعضها عن بعض واكتسبت في عهد روما وحدة عضوية. على أن القدر جعل أحداث االعالم تتحرك في اتجاه واحد  لتلتقي في نقطة واحدة . وأطنب في تقديم تصور شامل لأساليب القدر في تحقيق غاياته . ويرى ان السر يكمن في دراسة الصلات والعلاقات العامة وأوجه الشبه والإختلاف هي الوسيلة الوحيدة للوصول الى هذا التصور العام . هذا ما جعله يتنبأ بأمرين أهمية " عالمية التاريخ " ، وخطورة النظام السياسي في كل دولة ودورها التاريخي ... لكن في الآخر انحيازه هو الذي خذله ليكون مؤرخا موضوعيا . لقد وقف في الكثير من الأحيان مدافعا عن روما وبذلك يبعد عن دوره كمؤرخ يسعى لتدوين الحقائق الكامنة في تجارب الشعوب بحياد وموضوعية. تشيعه لروما جعله يتجاهل ويقرانقلابات كثيرة عرفتها الحياة السياسية ومنها تجربة الأخوينتبريوس و جايوس جراكوس . كان حدثا عنيفا زلزل  مجلس السناتوس ... فهو لا يذكر شيئا عن هذا ارضاء  لأولي نعمته العائلة التي احتظنته عائلة سكبيون ، واكتفى بتلميحات ضبابية وغامضة حيث تعرض للحدث في سياق حديثه عن الدستور بقوله أن هناك قانونا طبيعيا يقضي بأن كل ما هو موجود لا بد أن يتعرض للفساد من ناحيتين : عامل خارجي والآخر داخلي . العامل الخارجي فهو غير محدد يختلف باختلاف مصادره ، أما الداخلي الذاتي فهو محدد ومعروف عندما تتجاوز الدولة مراحل الخطر تدخل في استقرار ، مرحلة رخاء والسيادة فلا يقتنع الشعب بنصيبه في الحكم  ويرفض طاعة اولي الأمر ويطمح الى أكثر قدر من السلطة وحيث يقع هذا يأخذ الدستور سيمة جديدة هي اجمل ما في العالم :الحرية والديمقراطية ... وفي الحقيقة هو اسوأنظم الحكم جميعا  ويسميه حكم الغوغاء وبهذا يلخص الثورة الشعبية التي قادها جاركوس ضد السناتوس .

أما قوله بتدخل القدر في  صيرورة التاريخ فهي كذلك ليست بشعار يرفعه بل هي قناعته ويستشهد على ذلك بقصة لديميتريوس فاليري من كتابه " القدر "  الذي يقول فيه  من اجل اضهار طبيعة القدر المجبرة لا بد أن نرصداحداثا ممتدة مدى عدة أجيال وان احداث نصف قرن مضى تتظمن دليلا كافيا، ونصف القرن الذي يقصده هو الموجود بين 350 و 300 ق م . بحيث إذا افترضنا ان وحيا الاهيا تنبأ منذ خمسين سنة لما سوف يحدث  لكل من الفرس والمقدونيين هل يتصور أنهم كانوا يصدقون ان اسم فارس التي كانت تسود العالم قد محي من الوجود وأن مقدونيا التاي لم تكن معروفة آن ذاك ستسود العالم . في نظره أن هذه مجرد احد الدلائل والعجائب التي يظهر بها القدرقدرته على بني البشر وتقلبات ضروفه التي تستعصي على العقل البشري ..

لهذا يروى أنه عندما رأى سكبيون سقوط قرطاج المؤلم بعد الغزو لذي عرفته انفجر باكيا من شدة التاثر لإدراكه أن المدن والأمم والإنبراطوريات سوف تنتهي الى زوال بمشيئة الهية ... أين طراودة وأشوروميديا  وفارس ومقدونيا لهذا كيف يمكن القول أن روما ستكون الإستثناء " من القضاء الإلهي ". يجب الملاحظة أن مفرداته مختارة أتم الإختيار فهو يتحدث عن القدر والقانون الطبيعي والمشيئة الإلهية . هذه مفردات سلطة فوق سلطة الإنسان وهي مقدسة وهي التي تتحكم فيٍٍٍ آخر الأمر. بالنسبة له إذا لم يجيب المؤرخ على مجموعة الأسئلة التالية: لماذا ؟ وكيف ؟ وما السبب أو العلة بالنسبة للحدث ومعقولية ما نتج  منه أو عكس ذلك وإلا فما يقال وما يبقى لا يمكن ان يكون  علما بل مجرد جهد مادي لا قيمة له في الإعداد للمستقبل . لذا مبدا استمرارية التاريخ يكون بتأثير الماضي في الحاضر والحاضر في المستقبل.

بعد روما تراجع هذا المد مع بداية العصور الوسطى ،عصر الإنحطاط التي عرفها الغرب والشبيه بالذي يمر بها حاليا عالمنا العربي .

هذا هو التاريخ الذي تنبـأفوكوياما بنهايته ... إلا أنه اقل حكمة من سكيبيون الذي بكى أمام ما حل بقرطاج... لا حزنا على كرطاج بل تحسبا لما سيحدث لروما ... وتلك الدول نداولها بين الناس.  هذه سنة الله في خلقه ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن القلوب التي في الصدور هي التي يتكثف حولها الران فتعمى.

2 . المنطق القرآني... والتأريخ

تداول الحضارت هي سنة من سنن الله. وبذلك فأن قيام الحضارات وسقوطها لا يشذ عن القاعدة الأساسية للحياة أن لا دوام إلا لله وأن الفناء هو مصير كل شيء إلا " لا إله إلا الله " " كل شيء هالك إلا وجه الله. هذه هي الحكمة والرسالة التي قامت عليعها الدنيا وهي التي تسيرها والتي ستؤِول لها الحياة . لا إله إلا الله ، تأخذ صيغ متنوعه أما المنطلق واحد وهمي بحت أي مقطوع من العقل فيؤول في الآخر الى الشرك والشعوذه الى أن تصل الأمور الى إفساد الأرض فيتدخل القدر لإرجاع الأمور الى نصبها . والضلالة ابتدات هكذا بعد نبي الله نوح طال الأمد على العباد فاندثر الدين وبقيت الشعوذات فانقلب الناس الى عبادة ما يؤمن روعتهم وخاصة أثناء أزماتهم ومحنهم . أوأن صيغة "لاإله إلا الله " تكون صيغة عقلية أي يحجب الجانب المادي الجانب الروحي فتقع الضلالة وقبل أن يقع الإفساد يتدخل القدرلإرجاع الأمور الى نصابها ... وكل تاريخ الإنسانية  تداول بين هذين الصيغتين.

رأينا المنطق الغربي في التعامل مع تداول المدن والحضارات وراينا كيف أن الفطرة البشرية لم تغب عن ما ذكرنا من مؤرخين وخاصة بولوبيوس وحديثه عن القانون الطبيعي الذي يقضي أن كل ما هو موجود لا بد أن يتعرض للفساد ... ولحظة الصفاء الذي عاشها سكبيون وهو أمام منظر قرطاج وهي تحترق ... وهو يبكي روما من خلال بكائه على قرطاج ... لكن لا أحد تجاوز هذا الإستشراق . ما ذا يخفي هذا القانون الطبيعي من حكمة ؟

نأخذ مثالا لذلك قصة سيدنا يوسف من بين أمثلة كثيرة . يوسف وبن يمين أشقاء من زوجة أبيهم الثانية وبقية الإخوة من أم أخرى. يوسف كان كبقية اخوتة محبوبا من طرف ابيه لكنه لصغر سنه كان قريبا من أبيه أكثر من اخوته الكبار. الوالد كان نبيا وهذا يعلمه الجميع ولكن ما لا يعلمه الجميع بما فيهم اخوة يوسف في بداية القصة ، باستثنا يعقوب، أن يوسف نبي كذلك وفي سبيل ذلك لا بد أن يتعرض لصقل معدنه... رؤيته هي التي أكدت لوالده أن يوسف مقبل على شأن عظيم . لكنه لا يعلم ولومن مقام نبؤته تفاصيل القدرما ؟ هذا ما لا يعلمه إلا الله بالتدقيق... يعرف أن ما سيحصل ليوسف من أمر الله و يدخل في خانة تهيئته للنبوة ،ولكن يبقى يعقوب انسانا بمشاعر انسان يحزن ويتألم ويفرح لأنه أول من يعلم كذلك أن كيد الشيطان لا يخرج عن علم الله ،لأنه لاشء في ملكه خارج عن علمه، بمعنى أن يعقوب وذرية وابليس كلهم داخل هذه المشيئة.

وفعل بيوسف ما فعل به وظن اخوته أن كيدهم ... لا يجول ببال أحد . عندما رأى يعقوب قميص يوسف عرف أن هنالك مكيدة... ولهذا حزنه لم يتجاوز مشاعر اب حز في نفسه مكيدة اخوته ولم يغب عليه مشيئة الله فيما حصل له. المؤرخ لهذه الحادثة يقف عند تسلسل الأحداث ويفسر ذلك في حدود اجتهاداته الإجتماعية  و الضروف الإقتصادية وغيرة الإخوة من بعضهم البعض الخ... ولو وقع الأمر اليوم لوضع مع جرائم القتل التي تركز عليها الصحف الصفراء لبيع تفاهاتها... ولا يرى فيه الجميع إلا مؤشرا من مؤشرات منقلبات السوء التي تعرفها المجتمعات. مع أن ما أريد بيوسف هو خير كله.

ثم يصل يوسف الى مصروهذا شأن كان سيشار الية بدون كثير من الغرابة و كأن أحداث المغامرة (المسلسل )تقتضي هذه المفاجآت . ويحصل ليوسف ما حصل مع زوجة العزيز. لكن المؤرخ لا يعلم أن الفتى ابن نبي وهو بدوره في طور الإعداد للنبوة. فسيكتفي بحسن طالع هذا الفتى "اللقيط " وكيف استقر به الأمر عند عزيز مصر كما استقر الأمرببولوبيوس اليوناني عند سكوبيس من وجهاء روما . ثم تتولى الجرائد والمجلات التي تتمعش من النبش في أعراض الناس الأمر، لتشهر بامرأة العزيز... لإبتزازها ، أو من الإستغراب من سلوك هذا "الغبي" الذي ضيع فرصة عمره من المتعة والجاه والحضوه . وهناك من  سيجعل منه رمزا على أن شضافة الحياة علمته الإستقامة والإستماتة في الحق فخير السجن على الرذيلة  . ثم ينتهي الأمر بالجميع على أن حسن أخلاق هذا الغريب الذي نشأ مسكينا يتيما صنعت منه الأحداث مثالا في حصافة العقل الشيء الذي جنب مصر ويلات الركود الإقتصادي ... وشاءت الأقدار وحسن تدبيره أن ينال ثقة الجميع بما فيهم اخوته الذين لم يتعرفواعليه اول مرة والذي سيصفح عنهم ،هم الذين لم يندموا على ما فعلوه معه يوما . وهكذا ككل القصص تنتهي بحدث سعيد ... زواج أو لقاء بعد فراق. وتنتهي الأمور عند هذا الحد.

فأين المؤرخون من مشيئة المولى ومراد الله في هذا الأمر . قصة يوسف لم تقدم لنا الا جانبا من مراد الله في هذا الشأن . تهيئة يوسف للراسلة ومختلف الإبتلاءات التي سيمتحن بها لتصقل و لتسبك عقيدته أولا وقبل كل شيء. المولى يهيء الأسباب لقلب عرش أكبر طاغية ... على أيد أحد " غلمانه " وبعض عبيده.المولى لا يسوق لنا مغامرة سعيدة لإتحافنا فهو يعطينا نموذجا على كيفية الثبات في التعامل لمن أراد الله واليوم الآخرة...وعلى كيفية تداول الأيام بين الناس ودفعهم لبعضهم البعض حتى لا يعم الفساد وهذا هوالتأريخ لمن أراد المعنى من الوجود. في تأريخ تاريخ البشرية الكل يقف عند الدنيا والمجد أو العار الذي يلحق بالفرد من جراء أفعاله ومغامراته الغير محسوبة أو دهائه وذكائه ولكن يجب أن يكون هذا للإتعاض في الأساس لكي لا يدفن المعنى ولا يجب أن يكون المبتغى التدوين للتباهي بمن هو أكثر موضوعية في صرده...

قصة يوسف أسست لعهد جديد ليكون نموذجا في تاريخ الإنسانية. الشعب اليهودي المستضعف التي أفرزته العائلة المهاجرة الى مصرمن عائلة  يعقوب... ستطيح بأعظم انبراطورية عرفها التاريخ البشري وعلى رأسها أعتى فرعون عرفته الدنيا مع نمرود صاحب ابراهيم عليه السلام. ليعلم من يريد أن يعلم ومن لا يريد أن يعلم على حد السواء أن الملك والأرض لله يعطيهما لمن يشاء " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ... "( آل عمران 26). إذن الملك وزواله بيد الله يعطيه لمن يشاء وينزعه ممن يشاء ... وليس بيد هذا الغاصب أو المغتصب، نتيجة دهاء وحسن تدبيرفقط . الغاصب والمغتصب هم أدوات في يد القدرة تنفذ بهم مشيئتها  كما تشاء . ولكي لا يفرح لا الماكر ولا الممكور به حينما تؤول له ولم يراع فيها  ولا يديرها بما يرضي الله . مكر الماكرين هو ابتلاء فلا يفرحوا بما أوتوا ولا يحزنوا على ما فاتهم ... واستضعاف المستضعفين هو ابتلاء فلا ييأسوا ولا يستكينوا . واجرام المجرمين هو ابتلاء والكل تحت دائرة علم المولى . ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدة الدنيا . لذا المؤرخ إذا غابت عنه هذه الحقائق هو مدون لمن اتخذوا دينهم هواهم ولدفعهم بعضهم بعضا . وهذا بالنسبة له الحكمة من عمارة الأرض  ،وبهذا يكون قصر نظره لا يضاهيه  إلا قصر نظرالفرحين المتبجحين الذين دفعوا غيرهم ليأخذوا مكانهم ...فيعمروها كما عمروها من قبلهم ، الى أن يأتي من يدفعهم بدوره..."وتلك الأيام نداولها بين الناس"  . إذن دفع الناس بعضهم لبعض هو تدوين للأحداث للإتعاض... وهي  العبرة الوحيدة الباقية من كل ما دونه البشرولكن لم يتعض بها أحد . "أرضي أورثها المستضعفين في الأرض "، يقول جل وعلى. لماذا ؟ لعل هذا المستضعف يتعض . ولكن الملك إذا آل الى احد يعمي من لا بصيرة له فيطغى بدوره الى ان يأتي حتما من يزيحه. إذن الضلالات تتعاقب وهذه سنة الله .انتهاء الضلالات هي في نشر الخير بوجهيه: عبادة الله والعدل بين خلقه.وهذا لا يكون إلا  بنكران الذات للتفرغ لخدمة المشروع الإلهي من خلال خدمة الإنسانية.

اليهود لم يتعظوا بفرعون وملكه فظنوا أن الإصطفاء سببه الجنس ... ظنوا أن يهوديتهم المقصورة عليهم هي تمييز لهم من المولى في المطلق ... فلم تنفعهم .اختارهم المولى  لحمل الأمانة فخانوها .الرسالة فهموها على انها تحيزبسبب عرقي...  وما الفرق بين" أنا ربكم ألأعلى "، و"نحن أبناء الله وأحبا ؤه "...اغتروا فعتوا على ما امروا به وتمردوا وعصوا عن دراية وعفى الله عليهم لعلهم يرجعون... ولكنهم، ازدادوا كفرا وطغيانا... فإن عدتم عدنا . كيف ستكون هذه العودة. " لتفسدن في الأرض مرتين " هذا ما قضي لبني اسرائيا في الكتاب ( الذي هو القرآن ).  "فإذا جاء وعدوأِولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد "  هذا مدون تاريخيا الفتح العمري لبيت المقدس وتخليصها منهم . وليس كما ذهب له بعض الشراح أن هذه كانت حملة بختنصر عليهم . لماذا ؟ يقول المولى " بعثا عليكم عبادا لنا " من المؤمنين عباد الله، وما كان بختنصر من عباد الله ، لقد كان عدو الله ، ثم يواصل الحق في بداية سورة الإسراء " ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا " وهذا تصديق لما ذهبت اليه أن المقصود بالإشارة القرآنيه هم المسلمون وليس بختنصر. لأن هذا وصفهم لحالهم اليوم . عادوا (وهم ) أكثر نفيرا من العرب المسلمين مجتمعين. ولكن قوتهم هذه ليست من عرق جبينهم بل كاما يقول القرآن "وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا " فالمال يأتيهم من كل مكان من أمريكا ويهود العالم وكل دول أوروبا تدفع ... لتتغذى السواعد اليهودية من الشتات .والمدد من يهود روسيا في هجراتهم المتتالية والمتجنسين بالجنسيتين الإسرائلية والدول الأوروبية والأمريكية و افريقيا الخ... هذا دليل على أن المقصود في القرآن هم يهود اليوم .." فإذا جاء وعد الآخرة..." الآخرة هنا ليس كما ذهب له بعض المفسرين " القيامة " بل وعد المرة الثانية " تذكروا لتفسدن في الأرض مرتين" المرة الأولى مرت، وبقيت المرة الثانية... أي هذه تدخل كمؤشر لهزيمتهم الثانية والخاتمة بالنسبة لوجودهم كدولة متعجرفة .  يقول المولى في آخر سورة الإسراء وقلنا من بعد لبني اسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جينا بكم لفيفا "هوما يحصل لهم الآن في فلسطين...

تجاوزت الرسالة الخاتمة اشكالية العرق "و قالوا أنى يكون له الملك علينا ... ولم يؤت سعة من المال ."( البقرة 247) هذا ما تعلل به اليهود لما اصطفى الله طالوتا ملكا ... وأعادته قريش لما اصطفى المولى محمد صلوات الله عليه . وكان جواب المولى لبني اسرائيل ولكل جبار متكبر " إن الله اصطفاه عليكم... والله يوتي ملكه من يشاء " ( البقرة 247).

الدعوة في البداية توجه لجميع المناس وبذلك أتى الخطاب المكي للناس عامة : أيها الناس..." ويأتي الخطاب المدني للمؤمنين عامة :" يا أيها المؤنون... "بمعنى لا  فرق بين اعرابي أو اعجمي إلا بالتقوى . الرسالة ليست مرسلة لقريش حصرا وإلا وقعنا من حيث لا ندري في فخ "شعب الله المختار". "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ..." (النور 55 )هذا هو النهج القرآني حيث التاريخ هوالوقوف على  سنن الله في خلافة الأرض حتى يكون لهذا الوجود معنى . النصر للمؤمن الذي يصلح الأرض أي المؤمن الناكر لذاته والعامل على قيام العبودية التامة لأداء الرسالة... والراحم لأخيه الإنسان . واصلاح الأرض هو في تمكين المؤمن من دينه الذي ارتضاه له مولاه ونشره بعد العمل به."الذين ان مكناهم في الارض اقاموا الصلاة  وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف...ولله عاقبة الأمور " ( الحج 41 )على هذا يقع التمكين في الأرض ، الله هو الذين يمكن وليست قوة الجيوش او الأسلحة. ثم مباشرة يسرد لنا أمثلة تاريخية على الأقوام الذين لم يفقهوا هذه الحقيقة. فرعون وملكه وجيشه مرغت هامته بعد أنفه في الوحل ولم تنفعه جيوشه ولا ماله ولا سلطانه... على يد من؟ على يدعبيده برئاسة أحد غلمانه الذي رباه ورعاه في قصره.

قريش لم تكن أكثر حكمة من فرعون. الذي تحداها هو من خيرة ما أنجبت بطونها. لكنه عكس موسى عرض عليه المجد والجاه والمال فرفض. من كان يراهن يومها من قريش على انتصاره واضهار ماجاء به؟ لا أحد. وهذا درس آخر... فرعون جيشه وماله وسلطانه لم يحولوا دونه وانقراض ملكه... ولكن محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة لم ترهبه قريش وجبروتها ةوبأسها لكي يقارعها بلسانه فقط " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ". متى ذلك ؟ ما دمت الكلمة في سبيل اعلاء كلمة الحق " لا إله إلا الله ". ليست السيوف التي تقتل ولا المدافع ولا الطائرات ولكن" فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم و ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنون منه بلاء حسنا «(الأنفال 17). لم تقتلوهم من قتلهم إذن؟ "يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إّذ جاءتكم جنودا فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها .." (الأخزاب9) . هذا الحق وليس اجتهاد المجتهدين أي سنة الله لمن أراد أن يتعض.

إذا التقى الجمعان وكان همهم من يزيح الآخر ليأخذ مكانه ،من كان منهم اكثر عدة وحكمة انتصر. أما إذا كان أحد الجمعين يقاتل في سبيل اعلاء كلمة الحق فقط ،لن تهزمه الجيوش الجرارة ولو كان يقارعها بلسانه مثلما فعل المصطفى . وإذا التقى الجمعان أحدهما يدافع على ملكة والآخر على مكاسب ولو كان متدثرا  ب"لا إله إلا الله " من كان أكثر دهاءاوعدة انتصر. لأن " لا إله إلا الله " لم تنفع المسلمين لما كاد لهم شارل مرتان بتخوم بواتيي بجنوب فرنسا ، لأن همهم وقتها هو الفي الذي جمع وسباياهم وليست نشر كلمة التوحيد . "نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون . إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ابناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين . ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ( 5.4.3القصص ). الذي يقص على سيد المرسلين هو، من التاريخ. ثم يأتي الموضوع موضوع القصة "نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق " لماذا بالحق ؟ لأن هذه القصة قصت من قبل لكن ما روي خانته المصداقية. "إن فرعون علا وأفسد في الأرض" إذا سبب التغيير هو الإستعلاء والإفساد. وهذه سنة من سنن الله التي لا يمكن ان يكون فيها لا تحويلا ولا تغييرا. إذا وصل الإفساد الى المس بالثوابت التي يسير عليها الكون... يقع التغيير للأصلح .من سيغير؟ يصبح هذا الأمر ثانوي. "وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض... قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم فرعون" (127 الأعراف ). نرى أن أي طاغية يمكن أن يقوم بالتغيير.لكن من سوء الحظ للاسوأ. ولكن يمكن أن يكون المصلح من المستضعفين. قال موسى  لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . (128 الأعراف ) . لكن في كلتى الحالتين "إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ..."  من يشاء لأنه يمكن لحكمة أن يرثها فاسق او فاجر أو كافر ولكن في الآخر  فإن العاقبة لا بد ان ترجع للمتقين .كما قلت لحكمة في علمة يمكن للأرض أن  يرثها غير المتقين ... ولكن لحين . ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ... " وعدد لنا التنزيل هذه الأقوام الفاسدة التي ورثت الأرض منها قوم نوح وعاد وتمود وقومشعيب  وقوم لوط الخ.. كلها أقوام عمرت الأرض... وأفسدت ف"جاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا " ( يونس 13) حينئذ يأتي أمر الله " الم تر كيف فعل ربك بعلد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخرة بالواد وفرعون ذي الوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك صوت عذاب إن ربك لبالمرصاد" (الفجر 6- 14 ) لما يصل الإفساد الى الى درجة المس بسنن الله يتدخل القدر ." كذلك نجزي  القوم المجرمين" (يونس13).

وإذا التقى جمعان كما قلت منذ حين واحدة تقاتل من اجل الملك وأخرى باسم الرب تقاتل للسيطرة ولإستعباد العباد الأكثر بأسا ونفيرا ينتصر. "غلبت الروم في ادنى الأرض" (الروم2). نعم غلبت الروم التي تقاتل باسم الرب ومن غلبها: الفرس. الفرس المجوس الذين يعبدون النار... ولنا في هذه السورة جواب قاطع  على أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده. فهو المتصرف الوحيد الذي يدفع الناس بعضهم ببعض. تحمل لنا الآية الثالثة التذكير بهذه الحقيقة الدائمة. هؤلاء الروم الذين انهزموا شر هزيمة على يد الفرس سينتصرون بعد بعض الوقت .... والكل يعلم أن عند نزول هذه الآية اتخذتها قريش كدليل على عدم نبوة محمد (صلع ) ، لأنه لا أحد وقتها يصدق ان الفرس التي تمثل القوة الطاغية في ذلك الوقت ( مثل الولايات المتحدة الآن ) انها سيهزمها الروم بعد الهزيمة النكراء التي تعرضوا لها . " ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لايبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولائك كالأنعام بل هم أضل سبيلا أؤولائك هم الغافلون "الأعراف 179). هنا يقع الفرق . لما سمع أبو بكر الصديق بالآية تحدى قريش كاملة على أن الروم منتصرة لا محالة وقد راهن معهم على ذلك... وفاز أبو بكر على قريش الذين هم كالأنعام لهم قلوب ولكنهم لا يفقهون بها... فما اغنت عنهم عقولهم المبتورة من فطرتهم... وهذا حالنا في الشرق وفي الغرب اليوم .

هذه ركائز منطلقاتنا التي اضعناها فلم تغننا لا اموالنا ولا جيوشنا ولامعارفنا المستوردةالخ ... لذا لا فائدة في/من اضاعة الوقت والجهد والنفس في التمني أننا سننتصر يوما مادمنا على ما نحن عليه . كم من فئة قليلة غلبت فيئة كبيره ولو كانت هذه الفئة اسمها أمريكا في الفيتنام وهي في طريقها لذلك في العراق ...عملا دائما " إذا عدتم عدنا " ... أو الفئة الكبيره اسمها أسرائيل وعتادها بما فيه القنابل الذرية وهمجية ساستها وجنودها... أمام مجاهدين باسلحة بدائية بالمقارنة مع أسلحة عدوهم ... عملا دائما ب "وإذا عدتم عدنا " لكن هذه المرة إذا عدتم الى منهجكم منهج الجهاد في سبيل الله فسيعود النصر بإذن الله . وهذا هو التاريخ تناوب بين الإفساد/ والإصلاح في ألأرض وهذا التنواب كتناول النور والظلام الى أن يرث النورالظلام وهذه من سنن الله . البقاء ليس للأفراد أو للأمم بل لكلمة « لا إله إلا الله". وكلمة لا إله إلا الله تأخذ أحيانا صيغا إيمانية بحته فينتشر الأمن والعدل والإحسان أو صيغة عقلية بحتة بحته فينتهي الأمر الى الظلم والكبر والإفساد في الأرض قيحق عليه القول فينقلب أسوأ منقلب.

3. محاولات  تجاوز هذا المأزق

أ .   يورغن همبارس وبناء الدولة عن طريق التواصل اللغوي بين الأمم

لقد تفطن الكثير لهذا الإشكالية وجرت محاولات كثيرة لترميم ما يمكن ترميمه . والمحاولات الأكثر جلبا لللإنتباه قام بها من يعرفون بالفلاسفة الجدد . أذكر بعجالة محاولة قيمة لواحد منهم عالم الإجتماع الألماني زعيم المدرسة النقدية في علم الإجتماع والفلسفة الأستاذ يورغن همبارس . منطلقه ، بصفة عامة ، هو كيف الخروج من الحلقة المفرغة التي تتمثل في سلطة الإكراه التي تتمتع بها الدولة شرعيا ( وشرعيتها من الإنتخابات عنوان الديمقراطية ) وردات الفعل العنيفة التي تصدر عن المواطنين من جراء هذا التفرد بمقاليد السلطة والجبروت التي يفرزه؟ من هنا حاول يرغن إيجاد صيغة لا تخضع لهذا المنطق العقيم حسب رأيه . لذلك عمل على إيجاد حقيقة لا تبنى على منطق القوة ( موقف الدولة) والضعف (موقف المغلوب الذي سيلتجي لردة الفعل العنيفة)  الذي يرجعه همبارس الى منطلقات الفكر الغربي العصري " أنا افكر  أنا موجود " والذي كان فاتحة لإيجااد التفكير الطبقي والذي يمكن ان ألخصه شخصيا " نحن موجودون لماذا لا نفكرفي حالنا ؟" . بحيث ترجع مبررات الحمية والقبيلة الخ..

يشترط يورغن تجاوز هذا المنطق بواسطة النقد الذاتي لتجاوز الأنا -الذات فتطهر النفس من شوائبها ونرجسيتها ومختلف امراضها. تلي هذه المرحلة الأولى مرحلة ثانية تبنى على مرجعيات أخرى غير " الأنا- الذات " منطق يبنى عن طريق الحوار اللغوي ومسلماته فيصبح المنشود ليس ما نمتلكه أنا وانت من حجج وبراهين بل ما نتفق عليه سويا  فيكون هذا جذر معرفي جديد. بمعنى آخرإذا تعذر بناء معرفة ذاتية  فلماذا لا نسعى لبلورة "حقيقة مشتركه"؟ وهكذا بدكه أصول النظرة القديمة للحقيقة  المبنية على اعتبار الحقيقة تطابقا بين الموضوع والفكر(المرجعية المادية للعقلانية ) أوالنظرة الماورائية التي تشترط الكشف لكي تتم المعرفة وهذا لا يكون إلا يوم الميعاد . يقترح يورغن تجاوز هذا و يدعو لعقد اجتماعي جديد.

هل أن هذه " العقلانية التواصلية" هي العصا السحرية التي سترجع العقلية الغربية لرشدها؟ أما ان الأمر يتطلب اصلاح جذري وهذه الترميمة لن تكون اكثر جدوى من سابقاتها  ؟ لأن ما يقترح لا يخرج ولا يحيد على منطلقات الفكر الغربي المعاصر: حشر الإنسان في عقله ووعيه . لذا فهو على خط أسلافه... وفي كل مرة سواء أكان ذلك مع  كانط وهيغل وماركس وسارتر  وفوكو وداريدا الخ...الخ...كل مرة .يزهوالعقل الغربي و يتغنى  ويخدر  نفسه  موهما الجميع ان ما يقوله  هو من الفتوحات الغير مسبوقة وهو في الحقيقة لا يتجاوز ماخاض فيه العقل البشري منذ الصينيين و الأشوريين والهلينيين الخ.. حول نظريات الخلق ونظرية النشوء والإرتقاء  بحيث المقولات العقلية التي بشر بها  القرن السابع عشر ميلادي و التي شكلت جوهر الحداثة واسست للنهضة المادية الشاملة ثم من بعدعهم هدم الفلاسفة الجدد هذا البناء مؤسسين لما بعد الحداثة وهو ما يمكن أن نرى تطبيقاته في الإنفجار  التقني الذي لا يخضع  تطوره التكنولوجي لأي مرجعية فكرية و و لا أخلاقية  و من جانب آخر لم تضف و لم يأت بالحسم في هذه المسائل . ... إذن اعادة قراءة الموروث الإنساني وإعادة تبويبه و تصنيف الفلسفات والعلوم القديمة بتسميات العصرلم يقرب الإنسان اكثر من وجود معنى لحياته  أو حتى لفك لغزها.

ب. أدغار موران والعودة الى الكونية والقيم المطلقة

يحاول موران كسر عنق الزجاجة التي زج الغرب نفسه فيها بوضعه كل بيضه في سلة اجتماعيته . فيحاول قراءة الحضاره من منظور الشأن الإنساني عامة وليس من الزاوية الإجتماعية الضيقة الخانقة . بحيث يتجاوز تشضي الإختصاصات العلمية والإنسانية الضيقة الى المعاني الكونية والقيم الإنسانسة المطلقة . هذا ما جعله يأخذ كل الجوانب التي تخص الإنسان من بيولوجيا ونفس وتاريخ ودين واقتصاد الخ... ويدمجها في انتروبولوجيا مستقبلية محاولة منه اكتشاف أو الوصول الىمعرفة المعرفة ليفهم حياة الحياة وبالتالي انسانية الإنسان ليعرف كيف يتعامل معها . انسانية الإنسان هي وحدة متكاملة والفكر الغربي وقع في فخ التشضية فضاع وغرق في التفاصيل في الجزئيات المعزولة . هذا المنطلق وفق موران لتشخيص مرض الحضارة : مرضة المعرفة الإنسانية ومأتاه العزل والتبسيط والإختزال . هذا المنطق المرضي هو السبب الرئيس في الأزمات التي نعيشها اليوم ، هذه الأزمات هي نتيجة " الكريزيولوجيا " . و " الكريزيولوجيا " هو المفهوم الجديد الي أسسه موران لتمكيننا من دراسة حالنا دراسة علمية . حالنا التي إلنا لها نتيجة هذا التشضى الذي افرز الحروب والامراض والازمات الاقتصدية والتلوث والتقدم التقني المقطوع من كل مرجعية أخلاقية  دينية أو انسانية . هذا المنطق هو السبب حسب موران في افراز الذكاء الأعمى . الذكاء الاعماء هو الذكاء الغافل على كل السياقات التي يتحرك فيها ، فكل مختص في مربعه . وما ينقص الجميع هو صهر كل هذا لربط الطبيعةوالثقفة والروح حتى تسقط الاختصاصات التي شضت هذا الكيان  معتقدين انه باستطاعتنا معفرة المجموع بمجرد تصورنا لعناصره ... من هذا المنطلق ينتقد مورنا ديكارت رغم اعترافه له بالفضل في جعلنا نتصور الآخر كموضوع حينما حدد بعدي الفرد الروح والجسم واخضع بذلك الجسم للملاحظة العلمية  من طرف الطب والبيولوجيا وعلم التشريح ، إلا أن ه ينتقده في نفس الوقت لأن مشروعه هذا أدخل مبدأ العزل والقطع ما خول فصل الجزء عن الكل ( المنهج العلمي ) طالما أن الكل يمكن تصوره دون الأجزاء التي يتكون منها . ويطلق موران على الجهد التاليفي بين العناصر المختلفة " الفكر التعقيدي " .. وهو الفكر الذي في الأشياء ما يربطها بعضها ببعض ...بما فيه حضور الكل في الجزء . ويبرر موقفه هذا بنجاح علم البيولوجيا وهي التي سمحت بانبثاق الفكر المتعقد . الفكر المتعقد عنده هو غير الفكر المعقد ( هذا يهم علم النفس التحليلي )  او الفكر المركب ( وهو يهم الفلسفة وخاصة كانط البذات ) .أما يقصده موران هو المتعدد الغير قابل للتبسيط بالاعتماد على بعض العناصر الأولية. مشروعه يدعو للرجوع اصل عملية التأنسن حتى تعاد صياغتها لتخليص الابشرية من التردي الذي اوقعتها فيا " مرض الثقافة الغربية " . فهو يدعو الى ادراك ما هو ثقافي في الطبيعي لابراز نقاط الوصل بينها والافكار الناظمة لها جميعا . من هنا يربط كغيره عملية التانسب بظهور اللغة وتمادل الرموز حيث تكونت الثقافة حسب المسار الطبيعي  ومثله مثل غيره لا يقول لنا ما الذي دفع الإنسان  للإرتفاع عن غراءئزه إذا استثنينا عملية التبادل الثي تحدث عنها ليفس شتراوس . بالنسبة له الأمر لا يختلف كثيرا عن معتقد أهل ثقافته : أن الإنسان لم يخلق إنسانا منذ البداية بل صار انسانا ، ولا هم يبرهنوا على ذلك ولا استطاعوا تجاوز اشكاليتهم ويأخذوا منطلقا آخر. الكل يقر ومنذ زمن أن ثقافاتهم وحضارتهم تمروا بعنق الزجاجة ولكن لا أحد يتجاسر على الخوج من الحلقة المفلرغة التي زجوا بأنفسهم فيها من خلال منطلقاتهم . السؤال لماذا ؟ أو ما الدافع الذي دفع بهذا المخلوق من بين بني "جنسه الحيواني" أن ينتقل نقلة نوعية وتبقى بقية المخلوقات كما هي وحيث هي؟

ت. محاولات  تجاوز هذا المأزق عن طريق التواصل اللغوي بين الأمم