لهب....لهب....لبنان صيفك لهب         حجر أحراش الجنوب....لهب         البقاع أخضرك ويابسك لهب       إلا   ....  إلا رجالك…. من عجب             عجب ....  عجب  …لبنان  عجب

الخلق... و التخليق

إرسال إلى صديق طباعة PDF

الغرب رافع راية العقلانية لا ينظر ولا يعتبر الإنسان إلا من جانبة البيو- فيسيولوجي -الثقافي. لهذا طمس كل ما لا يخدم نظريته  ولم يحتفظ إلا بالتقاء حيوان مانوي وبويضة في حدود هذا البعد المادي،  خارج الإطار الإنساني.  بهذا يكون بطريقة ما قد نكص من بعده الثقافي الى الطبيعة... وبما أن الأمر لا يتعدى حدود اللقاء بين الحيوان المنوي والبويضة محق من يعتقد ( اقصد الغرب ) أن لا خالق غير الوالدين والوراثة. وهذا فعلا ما يعتمده الطب العضوي الذي لا يعتبر شيئا آخر خارج هذا اللقاء الذي يحمل بصمات عملية التخليق بعيدا كل البعد عن براءة الصنع، التي أودعها المولى في رحم الأم والتي أشرت لها منذ حين .

قبل التلقيح تسبق ارادة الولى، يسبق الخلق "ولقد خلقناكم ثم صورناكم"(الأعراف 11) التخليق هي المرحلة المواليه للخلق. وتعاد نفس الصيغ في سورة الحشر:  " هو الخالق هو البارئ  المصور "  (الحشر 24) الخلق قبل التخليق وهذا ما اشرت له في اشعار المولى الملائكة بخلق آدم قبل إيجاده. اشعار بخلق الإنسان الكامل المؤتمن عل العبادة الجديدة. نفس الشيء يعاد مع كل مخلوق من ذرية آدم. هذه العملية تسبق عملية التخليق. كل مخلوق مكلف بمهمة، بها يرتبط معنى وجوده، وهذا معنى " الباري".  هذه مراحل تتم كلها والمعني بالأمر أي الإنسان "لم يكن شيئا مذكورا" (سورة الإنسان 1 )... بين أبويه وأهله وذويه. إذن الخالق البارئ هو الذي يعطي الأمر بالخلق وليس الوالدين في لقاء الأجساد. "هو البارئ" المتفرد الوحيد ببراءة الخلق.


كما نعرف كل مبدع لعمل ما، يسجل اختراعه وتسلم له براءة، أي شهادة تثبت سبقه على غيره في اكتشافه. الخالق هو المتفرد ببراءة الخلق. لكن ككل مكتشف لا بد له وضع اكتشافه أمام الجميع، حتى يستفيد به ومنه كل من يهمه الأمر. المولى كذلك اعطى هذه الصلوحية لمخلوقاته ولكنه يبقى هو المتصرف فيها في كل أطوار و مراحل عمر المخلوق " يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء الى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا اشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى ارذل العمر...."( الحج 5) منذ البداية :"هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إلاه إلا هو العزيز الحكيم " ( آل عمران6) . هو الذي يصوركم في الأرحام وليست نطفة الوالدين . نطفة الوالدين تابعة وليست سابقة لهذه المشيئة وستتشكل  على هذا النموذج  ... هذا ليس بكلام يقال هكذا نحفظه ونردده في الكتاتيب ونصلي به دون الإستفادة منه عمليا فيما يصلح حالنا وحال النسل عندنا ويرجعنا للمنهج الرباني. ولكن من سوء حظنا  حالنا في العالم الإسلامي  نجتر التنزيل حتى يكتشف الغير عمليا الحكمة مما نجتره منذ قرون لنتباها بان المولى ما فرط في كتابه من شبئ.

ج .الفطرة

أين يحمل الإنساني هذا التمشي وغيره مما يهم انسانيته؟ في فطرته.  بها ومن خلالها يكون التواصل المستمر بين الخالق  و مخلوقه من جهة و بين المخلوقين فيما بينهم من جهة اخرى. وهذا الجانب يمثل الجوهر لانه شاهد على نشاة و تطور الإيمان و الضلالات التي وقعت فيها الإنسانية وهو الجانب القوي عند الأنبياء والرسل وبعض الصالحين من عباد الله. إذن في الفطرة جانب العبودية الخالصة لله وجانب القيام بشروط هذه العبودية.  الفطرة كما بينت سالفا هي ما يقابل الغرائز للنفس. الغرائز عند الحيوان هي الجانب العضوي الذي يشحن الجانب الوجداني، وهي كلها تابعة للعبودية التامة لله وللقيام بواجبات هذه العبودية. عند الإنسان، الفطرة، الجانب الأول منها رافده الروح الذي بدوره سيكون سند الجانب الثاني جانب القيام بوجبات العبودية وهو العقل. لأنه بهذا العقل ميز الإنسان، وبهذا  الإنسان - العقل ميزت عبادته للخالق عن عبادات بقية المخلوقات. إذن الجانب العلوي للفطرة، إذا صح التعبير،  جانب العبودية التامة ميزته  السكينة والطمأنينة (وهو يمثل العقل المستفاد عند الفرابي ) وهو المشار له بعالم الباطن وجوهره الإيمان.  الإيمان هو الدين الغير مقيد بشرائع. وكما المادة تحمل سر وتاريخ الكون، الفطرة تحمل سر وتاريخ انسانية الإنسان. هنا يتنزل في اعتقادي ما ذهب له جهابذة الفكر الإنساني من المسلمين في بناء نظرياتهم حول المعرفة. حاول علماء الإسلام ومن قبلهم الكثير آخرهم اليونانيين الذين تركوا بصماتهم في الفكر العربي الإسلامي عموما و في هذا المجال خصوصا، فهم  السر في اكتساب المعرفة. المعرفة بالنسبة لعلماء الإسلام لا تقع من خلال الإدراك المباشر بالمحسوسات ( وهذا ما يميزنا عن نظرة الغرب للمعرفة) ولكن بتدخل قوى متعدده ومتفاوتة الوضائف حسب الكائنات. على أن الإنسان يمتاز على الكل بالنزوع نحو التفكير بسبب تتدخل قوى الإدراك و المعرفة التي تميزه بالتجريد وادراك المعاني الكلية. ويضع علماء الإسلام ثلاث مراتب لهذا العقل المدرك. العقل الهيولاني ويمكن تقريبه بتشبيهه بآلة التصوير التي لم تلتقط بعد صورا لكنها جاهزة لذلك. والعقل بالفعل الذي تحصل على صور الموجودات حيث يدرك المعقولات بواسطة المعرفة المتراكمة المكتسبة وهذا الإنتقال من الوجود بالقوة للوجود بالفعل لابد له من تدخل عامل  آخر أعلى مرتبة من العقل الإنساني ما يسميه الفرابي مثلا العقل الفعال ( عقل فلك القمر عنده ). والعقل الثالث هو أسمى من العقلين المذكورين وهو العقل المستفاد. هذه "الإستفادة " تحصل  بعد استكمال العقل المنفعل استعابه المعقولات  كلها حيث يصبح عقلا بالفعل وكذلك معقولا بالفعل. ويصبح المعقول منه يعقل وهذا العقل هو أرقى العقول وهذا لإبتعاده عن المادة و لإقترابه من العقل الفعال. هذا العقل الفعال هو واهب الصور حيث تفيض منه كإشراقات تنزل على الجميع ولكن الإستفادة منها متفاوتة وهذا حسب التحرر من المادة، على ان الملهم هنا هو المولى جل وعلى.

إذن بإيجاز نظرية المعرفة عندهم وخاصة عند الفرابي قائمة على اسس ثلاث حسية وعقلية واشراقية. عملي هذا يوفق بين ما ذهب له علماؤنا و هذا بإعطاء مقولاتهم قاعدة عملية لا نلتجي فيها لإستعمال مقارابات أو مفاهيم يمكن أن تستعصي على الإدراك و يكون لنا الدليل العملي  لإثباتها. آلية الفطرة هي حلقة الربط بين المحسوس والمعقول، والمعقول بجانبيه الروحي والحسي. الجانب العلوي من الفطرة هو ما يعرف عند الفرابي بالعقل المكتسب، والجنب السفلي المتعامل مع العاقلة هو الذي يسميه العقل بالفعل. وهذه الآلية يحملها كل منها ولكن استعمالها هو الذي يميز بين الحاملين لها.

الجانب الدنيوي من الفطرة  هو الذي سيتاثر بالضلالة أما الجانب العلوي يبقى في مناى عنها. كيف ذلك؟ الجانب السفلي من الفطرة هو الذي يتواصل مع عالم الشهادة ولهذا جانب كبير من طاقته طاقة مادية. عكس الجانب العلوي منها الذي يكون في مناى عن الطاقة المادية حيث أن كل طاقته روحية. وهذا الجانب الدنيوي جوهره الإسلام. على أن الإسلام يمثل الجانب الإيماني في تحاككه مع الواقع اي كمعاملات  و من هنا كان وجوب التشريع. من أين تاتي هذه الطاقة المادية؟ جزء منها من الوالدين عن طريق الوراثه وجزء آخر من البيئة والمحيط الذي يعيش فيه الفرد بما فيه المأكل والمشرب. ومن هنا امكانية سيطرة هذا الجانب المادي عن الجانب الأول. ويمثل هذا سر الخلل والإضطراب في حياة الفرد.  يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم " يولد الإنسان على الفطرة وأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه".  وهذا سبب من الأسباب الرئيسة لإبتعاد الغرب عن الفطرة السليمة. حيث تطمس التربية والمحيط الجانب العلوي من الفطرة بطاقته الروحية فيصعب على الفرد النجاة  ويكون لقمة صائغة لجميع الضلالات والفتن. ومن أكبرنتائج هذا الإنفصام بين جانبي الفطرة العلوي والسفلي هوما يسمى مرض العصر: الإكتئاب. هذا الإختلال يمثل نوعا من الكسوف حيث يطغى الجانب المظلم على الجانب المنير. الإكتئاب بذرته عدم الإلتزام بمبدأ انسانية الإنسان في جانبيها الوجداني والمادي. بحيث يطغى الجانب المادي على الجانب الروحي... وعدم الإلتزام هذا يبذر قبل ولادة الفرد. فتكون البيئة و التربة التي تبذر فيها البذرة  بيئة قاحلة من الجانب الروحي. فتكون علاقة الوالدين بالحياة علاقة جوفاء من كل مرجعية وجدانية.  فتكون الدنيا هي كل مرجعيتهم والعلاقة الجنسية هي مخرجهم الوحيد من عبوديتهم من وثنيتهم. وحتى في هذا المقام تستعبد الأنثى فتستغل جسديا ويصبح جسدها يباع ويشترى تحت مسميات وتسميات مختلفة. إذن يولد المولود وهو يحمل ضلالة والديه الضلالة تتمثل هنا في كون الفرد يكون محجوبا عن البعد الإيماني. من هذا المنطلق تكون النطفة التي سيصنع منها  مشبعة بأحاسيس الوالدين  و هو ما يجعل الرحم الذي ستغمس فيه النطفة مظلم.   رحم الأم  مظلم لأنه محجوب عن الجانب العلوي من الفطرة ولغياب المودة والرحمة بين الوالدين. وسيكون بذلك الأرضية القاحلة التي ستبذر فيها هذه البذرة  في غياب المرجعية الروحية وما تقتضية من ذكر وشكروحمد. فينشأ الجنين رهين الصراعات الحينية للأبوين التي هي في مجملها مادية بحتة فتكون هذه الطاقة السلبية حجابا يطمس البعد الوجداني باعتبار أن انسانيته تتطلب أكثر من الرعاية المادية الغريزية البحتة. فيتكون الجنين في هذه الظلمة في هذه العتمة. فيتكون الجنين محروما من  بذرة بعده الوجداني والباطني  فينشأ مختل التوازن منذ البداية.  وكما سنرى لاحقا أن ما يسمى بالبعد الباطني ( أي الجانب العلوي من الفطرة بالنسبة لي ) يحمل النموذج الإنساني للإنسان وهو الذي يرجح الكفة مع الجانب الفيزيولوجي البحت وهو الذي يعطي معنى للبعد الفيزيولوجي. سأرجع لهذا الموضوع باكثر تفصيل عند التعرض للأمرض النفسية. إذن الركيزة الأولى للقيام بالعبودية هي الفطرة. لنرى الآن المخ أو الجهاز العصبي العلوي الركيزة الثانية للقيام بهذه العبودية .

د .   الجهاز العصبي العلوي

كما بينت الجانب السفلي من الفطره المختص بالعقل  وكما بينت جوهره الإسلام، طاقته متأتية من سلالته وبيئته بما فيها طعامه وشرابه. إذا كان الجانب السفلي يتعامل مع السلالة والمحيط فمع من يتعامل الجانب العلوي النوراني فيه؟ قال الله تعالى‏:‏ ‏ «‏يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون» ‏الأنفال‏:‏ 24 لماذا يدعوا الله ورسوله؟ للتوحيد الذي هو مضمون العقيدة. وما هي حجة هذه الدعوى ودستورها؟ القرآن والسنة. إذن القرآن فيه ما يحيي. ما يحيي ماذا؟ يحيي ما طمسته الضلالة  و الغفلة، الجانب العلوي من الفطرة كما ذكرت. إذا كانت مشاهدة الطبيعة بظواهرها المختلفة تحيى العاقلة آدات الجهاز العصبي فيتفاعل معها وتحل رموزها وتستنبط قوانينها، كذلك القرآن والسنة فيه ما يوقض الفطرة السليمة فيكون لها مثل الماء يحيى، فتحيى الفطرة بحيث تتجاوب الفطرة مع موضوع تأملها ومفجر طاقاتها. لأنه لو لم تكن الظواهر الطبيعية لما تفتق ذكاء الجهاز العصبي العلوي وطاقاته الخلاقة الإبداعية، كذلك القرآن و السنة  للفطرة فيهما ما يشحن هذه الملكة. اخذ مثال على ذلك. نجد مثلا في آية الكرسي التي هي من أعظم آيات القرآن، ما  يغذي هذين البعدين في الفطرة.  اقصد جانب العبودية والقيام بها. جوهر آية الكرسي هو اسمين من أسماء الله الحسنى " الحي" و "القيوم ". ما معنى"الحي" أي مالك الحياة، هو الذي يعطيها وينزعها عن طريق الروح. إذن الله هو مالك الروح بالرحمة والرحمة هي قمة السكينة والطمأنينه "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، السكينة والطمأنينة التي مقرها الجانب العلوي من الفطرة كما سبق تبيانه. و "القيوم" هو المكلف يالأرزاق في الدنيا والآخرة الخ... وهذا ما يخدم جانب القيام بالعبودية ما يخدم البعد المادي في الإنسان من غذاء وراحة وكساء الخ... إذن تعتبر هذه الآية من  ابلغ الآيات المؤثرة  الشاحنة للفطرة وهي تمثل المدد المتواصل لللإنسان لتجديد وشحن إيمانه. إذن تمثل الفطرة  للقرآن الارض التي سيتعامل معها من خلال العقل. وبهذا تكون آية الكرسي من ظمن منافعها حماية الفطرة. "فيها ما يحيى" كما بينت في الآية قال الله تعالى‏:‏ ‏ «‏يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون» ‏الأنفال‏:‏ 24‏‏. إذن القرآن يحمل هذه الطاقة الروحية العالية ولذلك الحكمة من قراءته بخشوع ليفجر ينابيع الرحمة فينا «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ» الحديد 16. «فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ [34] الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ» (الحج 34 -35) عندما تتفاعل الفطرة بشحنتها الروح تعطي نبضات للمخ... فيتلقاها الجهاز العصبي فيخف ضغته وينقص تشنجه واضطرابه فيميل بذلك للسكينة والتأمل فينتج عن ذاك مادة الأندرفين مادة الراحة والهدوء. لماذا لا يستطيع الكثيرالوصول لهذه السكينة هذه الراحة الشاحنة؟ لأن النفس تدخل على الخط. كيف؟ النفس عامل التوتر في الإنسان عندها آليات تأثير ومن ظمنها الخوف. في أعماق الأنسان السكينة التي ينزل فيها التوتر الى أدنى درجاته  تستغلها النفس لتوقض في صاحبها قلق الموت. الميت في الخيال هو الذي لا يتحرك ولا يتكلم فترتعش اللاشعوريا الفرائس ويستنفرالفرد فتجد النفس الفرصة لتمده بمادة تشنجه وحيرته، وفي كل الأحوال الشقاء والتعاسة ولا الموت.

من أين تأتي هذه الطمطأنية للجنين؟ وهنا نجد حكمة من حكم "وخلقنا لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إِليها وجعلنا بينكم مودة ورحمة" المودة والرحمه التي تجمع بين الزوجين يعيشها الجنين طمأنينة وسكينة. وفي غياب هذه " المودة والرحمة " الجو الروحاني الذي يحمله الوالدين يوقع فيه كالشرخ فتدخل النفس لملء هذه الفجوه. وهذه من بذرات الحيرة في حياة الإنسان والبحث عن المعوض للسكينة المفقودة وهنا نجد بذرات الإدمان على اختلاف انواعها. يهرب الإنسان الى المشنج  مثل الشاي والقهوه والتبغ الخ أو المهيج المسكر كالخمر أو المفقد للوعي المخدرات الخ... ( ساتعرض لهذا بالتفصيل لما أتعرض الى النظرية النفسية المستمدة من ارثنا الحضاري ). إذن هذين البعدين الفطرة والعقل هما ركيزتا تكليف آدم.

2 - من حكم التكليف لآدم وحواء

عكس الغرب نحن نعتقد أن للكون خالق... بالنسبة للخالق الكون مخلوق لمهمة و هي خدمة المخلوق الذي سيكلف بالعبادة. إذن هناك العبادة والمكلف بهذه العبادة. بعد إبداع مقومات ما يخدم القائم بهذا التكليف والمكرم بهذه الرسالة، خلقت الصورة البشرية: آدم عليه وعلى نبينا السلام. خلق آدم بعدما أعطي ما يلزم لإتمام المسيرة وإنجاحها: الإيمان، وكذلك مفاتيح التعامل مع محيطه "عُلم الأسماء كلها": العقل. ثم عرض عليه من سيعمر الكون معه من ملائكة وجان وشياطين وحذر مما ينتظره من عقبات ستعترضه وأعطي هذا المخلوق ما يميزه عنهم إذا احتفظ وحافظ على ثوابته: الفطرة والعقل.

سؤال متى بدأ المشروع العبادي؟ هل هو ب / مع خلق آدم؟ منطقيا لا. لماذا. لأن هناك دائما "إني جاعل في الأرض خليفة" إني جاعل هذا في المستقبل. لكن لم يجل بخلد الملائلكة أن يسألوا المولى عن الحكمة من هذه المشيئة. إذن هناك العبادة المتميزة وهناك من سيقوم بها. وبين هذا وذاك بون. لأن الذي سيقوم بهذه الرسالة سوف لا يلزم بها كبقية المخلوقات. بمعنى أنه سيخير يقوم بها أو لا يقوم بها. ولهذا لا بد لهذا النمط المميز من نموذج يكون هو المرجع للعبادة الكاملة. لا بد من رمز يمثل كمال العبودية كما أراداها بارئها لعباده... فكان المؤتمن عليها هو سيد الخلق الأمين. "بعثت وآدم بين الطين والماء" يقول المصطفى بعثت قبل خلق آدم، كيف؟ بطبيعة الحال لم يبعث جسديا بل نموذج العبادة المنتظرة من آدم وذريته... ولذلك لا يكتمل معنى التوحيد في جانبه الإنساني إلا برسالة محمد عليه أفضل السلام وأزكى التسليم. ولذلك هناك دين واحد "إن الدين عند الله الإسلام" نقول هذا ليس تشيعا لديننا الإسلامي بل المنطق يفرض هذا. كل ما سبق الرسالة الخاتمة هو ديانة وليس دين. لأننا لا نستطيع أن نتحدث عن الدين إلا في صيغته النهائية. بذلك هو مهيئ على ما سبقه ومكمل له. الرسالة الخالدة هي التي جاء بها المصطفى، وبعده لا نبي ولا رسول. ترك لنا ما إن تمسكنا به لن نضل أبدا: الكتاب والسنة. بعد محمد صلى الله عليه وسلم النبوة للعقل. كما أنه عن طريق الرسل عرفنا الخالق وعن طريق العقل نصدق رسالة الأنبياء.

بعد إبداع مقومات ما يخدم القائم بهذا التكليف والمكرم بهذه الرسالة، خلقت الصورة البشرية : آدم عليه وعلى نبينا السلام . خلق آدم بعدما أعطي ما يلزم إتمام المسيرة وإنجاحها :الإيمان، وكذلك مفاتيح التعامل مع محيطه "عُلم الأسماء كلها"  ثم عرض عليه من سيعمر الكون معه من ملائكة وجان وشياطين وحذر مما ينتظره من عقبات ستعترضه.

الواحد لا يعبد الواحد، الكثرة هي التي تعبد الواحد ومن هنا كان لا بد من إيجاد صيغة لهذا الغرض... ومن هنا كانت الحكمة من إيجاد حواء. حواء لم توجد كنسخة مطابقة للأصل من أدم ولكنها وجدت كصورة منه. ما معنى هذا؟       للأصل امتيازاته و للصورة المأخوذة منه كذلك. الامتياز هنا هو تكليف أكثر منه تشريف. في ماذا يتمثل هذا التكليف؟ في إئتمان كل منهما على ما  يحفظ المسيرة ويوصلها لغايتها. وهذا أمر أساسي أسيء فهمه لسوء الحظ. الأصل أؤتمن على العقل. لماذا؟ لأمر مهم.. لأنه لا يمكن تصور مسيرة في غياب العقل... لهذا عُفي آدم من الطمث والحمل والرضاعة ...الخ. بالرغم أنه كان أم حواء "وضعه" لها كان بطريقة مخالفة جنبته كل هذه الجهد والعناء من طمث وحمل ورضاعه وما ينجر عليها من تعب و تفرغ مطلق لتربية النشئ. في المقابل الصورة، حواء، كلفت بهذه المسؤولية الجسيمة ولكن هذا لا يعني أنها ستكون قاصرة في كفالة الرجل. لا أبدا، بل عهد لحواء مسؤولية جسيمة: ائتمانها على الفطرة، بما أنها الحاملة للرحم ( لا ننسى ما قلته من أن العقل بدون الفطرة أجذم) ونجد هنا نفس المنطق، آدم وحواء يحاملان شقّي التكليف: العقل و الفطرة. في ائتمان حواء على الفطرة مسؤولية جسيمة وخطيرة في آن. لأنه إذا تعطل العقل، تعطله لا يهم إلا صاحبه أما إذا فسدت الفطرة ففسادها سيهم أجيالا بكاملها. ومن هنا يكون دور المرآة  في الحياة أسمى وأفضل وأزكى من الدور التي حشرت فيه على أنها ناقصة عقل ودين ليسهل على الرجل استعبادها كبقية البهائم أوالمتاع. وهنا تتنزل وصية النبي الكريم "أوصيكم بالنساء خيرا".

المسؤولية المتوازنة الحكيمة هي ضمان نجاح المشروع الإنساني ككل وفي اختلاله تعطله وفي تعطله عناء المكلف بالمسؤولية أولا وقبل كل شئ، لأن الله بالغ أمره لا محالة... ومن هذا العناء، الإحساس بالاغتراب على نفسه وعلى محيطه والاغتراب هو الطريق السيارة للضياع وهذا ما يعاني منه الغرب بالرغم من اليسر المادي والاجتماعي والصحي والترفيهي والتعليمي الذي يعرفه. فبالرغم  من التخمة التي تعرفها جل هذه المجتمعات وبالرغم من الديمقراطية التي يتمتع بها الجميع وحرية الرأي والتعبير ورفع الضوابط الأخلاقية والتربوية حيث لا مرجعية جماعية لذلك، إلا القانون الذي يضبط الحياة الاجتماعية، ورغم هذا كله فإن أعداد المنتحرين في تصاعد رهيب و كذلك الإجرام بجميع أنواعه والإدمان على مختلف أنواع المخدرات وجميع أنواع الشذوذ الفكري والجسدي والجنسي الخ... وفي المقابل أصبح الإبداع في هذا الجو وفي هذا الإطار يحوم حول نوع من التقنية الحرفية همها السبق لمزيد من الربح بالتفنن في خلق حاجيات ورغبات طفيلية تخدم الغرائز والأنانية على حساب كرامة الإنسان الأساسية من تعليم وعمل وصحة الخ... وثقافة هزيلة منطلقها ومرجعها الغرائز وكما يقول المثل العربي "إذا لم تستح  افعل ما شئت" وإذا بالمعابد لعبادة الشيطان والنار... تقام باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وتفتح الهياكل وتنظم المهرجانات الصاخبة للشذوذ الجنسي والفكري وهذا كله باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير. إذًا، قطع الفرد من روافده الأساسية وحشره في اجتماعيته هي من أسباب عنائه.

3 . اجتماعية الفرد التي صاغها الغرب هي لتجاوزانسانية الإنسان

الغرب الذي قام بالفصل بين وجهي الفطرة العلوي والسفلي يحاول اسيتئصال البعد العلوي من مرجعية الإنسانية قاطبه، بطرق مختلفة... ومن هذه الطرق فصل الدين عن المعاملات. بعد أن أنكر وجود الإيمان كعامل فطري في الإنسان وابدله بطبيعة حشرت الإنسان في اجتماعية ميزتها التنظيم لمزيد من التحكم، فأصبح بذلك حال المجتمع كحال القطيع الذي يفترض أنه امتداد له.. وعوض الشريعة بالقوانين التي تسنها الأغلبيات البرلمانية كل حسب ايديولوجيته ومنطلقه المذهبي السياسي. وهنا نجد خلطا مريعا فالمفردات السياسية هي نفس المفردات الدينية لكن بلغة محايدة إذا صح التعبير وهي من ابداعات عباقرة رجال عصر الأنوار والنهضة الغربية. كان لزام عليهم القيام بذلك بعد تمكنهم من الفصل بين وجهي الفطرة.

الإيمان في جانبه العملي الغاية منه حماية الفرد من نفسه ( ما وقع بين آدم وابليس) وهنا المقصود هو المحافظة على الجانب العلوي من الفطرة (علاقة المخلوق بخالقه )، وحماية المجتمع من بعضه البعض ( حتى لا يتكرر مع وقع بين قبيل وهبيل ) والمقصود معاملات البشر بين بعضهم البعض. إذن الغاية الأولى والأخيرة من الدين هي الحماية. هذه الحماية لها دستورها وألية تشريعها. و بما ان التشريع موجه للممارسة وجب مراعات ضروف الممارسة ومن هنا وجوب خضوعه لسنة التطورمع المحافظة على مرجعياته الأساسية القرآن والسنة وخضوعة في تشعباته الحياتية اليومية للإجماع والقياس. وإذا أضفنا وجوب الأخذ بالإعتبار، بالنسبة للمشرع، بالعرف والإجتهاد تصبح كل الأحكام شرعية بمعنى لا تتجاوز الحدود ولا تضربالممارس في ذاته ولا في اجتماعيته أي في علاقته بذاته أو في علاقته بغيره معتبرين في ذلك: الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحظور. أليس هذا بمجمل مجال ومرجعيات التشريع في العالم. بمعنى آخرأن الأحكام الشرعية او الدستورية ( القانونية) هي من استنباط البشر في آخر المطاف. هنا نجد حقيقة يحاول العلم المخبري تجاوزها وهو نكران العامل الذاتي في هذا التمشي ومن هنا جاء اتهام نفسه بالموضوعية. فليس هناك من موضوعية تنفي او تقصي العامل الذاتي. لأن الموضوعية حيدت عن مكانها بمعنى أن الموضوعية هي في المرجعية التي نستند اليها وليس في ملاءمة المرجعية وتشعبات الممارسة اليومية. مثال على ذلك جاء اعرابي الى صحابي جليل وسأله : هل للقاتل من توبة؟ فتفحص فيه الصحابي وقال نعم للقاتل توبة... ثم بعد مدة وجيزة دخل ثان وسأل نفس السؤال: هل للقاتل من توبة فتفحص فيه الصاحبي وأجابه بلا، ليس للقاتل من توبة. بعد ذهابه تعجب بقية الصحابة الحاضرين. فأجابهم رٍايت في عيني الأول أنه قتل وانتهى فاردت إعانته على التوبة أما الثاني رأيت أنه لم يقتل بعد ولكنه قادم على القتل فاردت ردعه. قرب الصحابي من فطرته هو ضامن موضوعيته رغم اختلاف أجوبته. لو كان الصحابي يطبق علما موضوعيا... لوصف للمتعاقبين نفس الوصفة باسم الموضوعية.

أما السياسة مثلها مثل الدين همها رعاية مصالح المواطنين. والمصلحة هنا تبدأ فيما بين الفرد ونفسه حتى لا يرمي بنفسه للتهلكة وفيما بينه وبين غيره وهو باب المعاملات. القاسم المشترك بين الدين والسياسة هوالإهتمام بالإنسان ولكن كل منهما يتناوله بمصطلحاته وبمفاهيمه. وعوض أن يتكامل دورهما تضادا. في ماذا يتمثل هذا التكامل؟ الدين يكون الرادع الفطري الذي يبني عليه المشرع. وفي مقابل ذلك القانون يكون العامل المكتسب الذي من خلاله نصل للفطري في الإنسان بما أن كل منهما هدفه الإستقامة. لكن إذا شطب أحدهما السياسة تختزل في الجانب الأمني والدين في "الدروشة ". والفهم المخطئ للدين والسياسة هو السبب في التفريق بين النموذج الإنساني كما حملته الفطرة والصورة البشرية كما اقتضته اجتماعيته.

النموذج الإنساني الأول ليس بآدم كما يظنه البعض. آدم هو الصورة البشرية الأولى... أما النموذج الإنساني هو سيد الخلق محمد ابن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزك السلام: "بعثت وآدم لم يزل بين الطين والماء" (حديث شريف) ولا غرابة في ذلك بما أن المعنى يسبق دائما الصورة. وهذا أمر أسيء فهمه وهو سبب من أسباب تعثر وتعطل المسار الإنساني. لقد شطب النموذج ولم يُحتفظ إلا بالصورة حيث أُقتصر البحث على حقيقة وجود آدم كبشر أو كقرد...

آل هذا التمشي إلى القطع مع الجانب الوجداني مع آدم ولم يعترف له إلا بالجانب العقلي ليسهل تجاوزه فيما بعد.

إذن القطع مع الجانب الوجداني أفسح المجال إلى الجانب العقلي المبتور من واحد من أهم روافده: الإيمان. إهمال الجانب الوجداني كرس اجتماعية آدم وأهمل رسالته وهذا حيف على إنسانية الفرد الإجتماعي بحيث أصبحت البشرية بدون رسالة. ولا يمكن أن تنحصر رسالة الإنسان في عدم اضطراب البورسات حتي تحافظ التوازنات الإقثصادية على نوع من الإستقرار ويفرض هذا لو أدى الأمر بالسلاح... هذا المنطق الأعرج فتح الباب على مصراعيه لكثير من الاجتهادات النظرية التي فرضت هذا التمشي المتمثل في شطب الجانب الروحي الوجداني وعلى راس هذه النظريات نظرية النشوء والارتقاء والتي أخطر ما فيها تطبيقها العملي من طرف المدرسة السلاوكية الذي يتجاوزانسانية الإنسان.

الاعتراف لآدم بالجانب العقلي فقط كرس اجتماعيته وجعل منها حجر الأساس لوجوده، فأصبحت الحياة الإجتماعية بذلك مجموعة علاقات سلوكية تربوية لا مرجعية أخرى لها خارج قناعات الأبوين والنظام التربوي السائد لتكريس الأيديولوجية المهيمنة. ماذا نتج عن هذا المنطق؟ أصبح العقل عند الفرد أقرب منه للغريزة عند الحيوان، همها المحافظة على وجوده المادي وهذا بتأقلمه وانصهاره في محيطه... حيث أن الكلأ هو أساس الحياة مع الماء. وهذا حالنا اليوم أصبح العقل غريزة همها وجود تقنيات جديدة للعجلة الاقتصادية التي طغت على بقية محاور الحياة وفي سبيل دوران هذه العجلة الجهنمية تهتك الأرض والعرض وكما عند الحيوان الذكر المهيمن يأخذ شرعيته من قوته... ولم يعد للقانون أو للأخلاق أي اعتبار.

الإنسانية في نموذجها الأول مؤتمنة على الإيمان ومضمونه كلمة التوحيد وكل الأنبياء ابتدؤوا رسالتهم ب : لاإله إلا الله. ولا يعقل أن يكون الخلق خلق للتفنن في الأكل والشرب واستباحة حرمات بعضهم البعض. كلمة التوحيد هي مضمون الأمانة: " إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا"(الأحزاب 72) . إنسانية الفرد ليست بافتراض نظري خيالي بالعكس هو واقع ملموس لا تمثله اجتماعية الفرد في نموذجها اللغوي كما يفترضه علم النفس التحليلي. هذا البعد المسؤول عنه العقل في " وعلم آدم الأسماء كلها" ولكن هذا العلم لم يعط هكذا لإجادة الشعر ولانتاج تقنية همها خدمة الآلة الاقتصادية بل كوسيلة للمعرفة. المعرفة الأولى والأخيرة تبدأ وتنتهي بمعرفة الخالق: لا إله إلا الله. وهذا هو القصد من التمييز بين النموذج الإنساني الأول والصورة البشرية الأولى ومغزى إشارة المصطفى في حجة الوداع: "أيها الناس إن الزمان استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض" بمعنى به ابتدئ في كلمة الإفتتاح في " ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " وبه تأخذ هذه العبادة خاتمها النهائي في"لا إله إلا الله". منذ البداية كان التعريف بها ونشرها يمثل سر الوجود عن طريق الرسالته الخاتمة. بعده أصبح للوحي دستورا القرآن، ووسيلته العقل. أصبح للحقيقة بابا واحدا ومعنى. وكل من سيبحث عن الحقيقة خارج هذا التمشي فهو واهم . لنرى كيف تجاوز الغرب هذه الحقيقة وأصبح يبحث عنها عن طريق الجهاز العصبي العلوي.

آخر تحديث ( الأربعاء, 02 سبتمبر 2009 12:03 )