لهب....لهب....لبنان صيفك لهب         حجر أحراش الجنوب....لهب         البقاع أخضرك ويابسك لهب       إلا   ....  إلا رجالك…. من عجب             عجب ....  عجب  …لبنان  عجب

الصفحة الرئيسية منهجيتي في عودتي الى الروح لإحياء انسانية الإنسان مقومات إنسانية الإنسان في جانبها العقلي – الإيماني

مقومات إنسانية الإنسان في جانبها العقلي – الإيماني

إرسال إلى صديق طباعة PDF

كما رأينا بنى الغرب نهضته العلمية على  نهج علمي ،ما أشرت له آنفا  بالبراد يغم . كيف يبني  البراد يغم ؟ البراد يغم يتمثل في  اتفاق مبدئي على أسس الأبحاث التي ستجرى . المشرفين على حظوظ البحث يتفقون على أسس لتوجيه الأبحاث في اتجاه  معين بحيث يكون هناك إجماع consensus حول مشروع  بمقتضاه يلتزم الجميع بمنهجية معينة للتعاطي مع إشكاليات واسعة بما فيه الكفاية لاستقطاب اهتمام البحاثة (انظر كتاب la structure des révolutions scientifiques لصاحبه Kuhnص10 ) و من مقتضيات الاتفاق المبدئي  المشار تحديد مفهوم الواقع .الواقع الذي سيتعامل معه البحث العلمي هو الذي يقع التعرض له من خلال هذه النظريات ، وهنا يكمن الإشكال لأن ما يقوم العلم بدراسته ليست الظواهر  في المطلق بل ما اتفق على اعتباره كذلك .ولذا وقع الإكتفاء بالمرئي المعلوم على انه يمثل كل الواقع وهذا بيت الداء . لماذا ؟ لأن الجميع يعرف اليوم أن المرئي المعلوم لا يمثل إلا القليل القليل لما هو موجود ...إذن وقع الإعتماد عمداعلى ما يدخل في تبرير ما وضعوه من افتراضات وفرضيات. إلى ماذا أدى هذا المنطق ؟أدى هذا المنطق إلى حشر العقل في بون ضيق بإلزامه نمطا معينا من التفكير وخاصة من الإشكاليات التي تولد الواحدة الأخرى ، موهما نفسه أن   الضواهر المنتقاة التي تخدم افتراضاته  تمثل  حقيقة الكون .


الأبحاث في حد ذاتها لا تنطلق من لاشيئ إنها تنطلق من مجموع الاكتشافات العلمية المعترف بها والمتفق عليها في زمن ما  وهي التي تعطي للعلماء والبحاثة نوعية الإشكاليات ونوعية الحلول المطلوب بحثها وحلها كونيا في زمن ما. إذن العلوم التي يأخذ الغرب اليوم بناصيتها بنيت على هذا المبدأ المحدود الذي اقتطع من  غنى الكون وتنوعه ما يخدم افتراضاته من الضواهر الكونية.  ومن هنا يبدو واضحا أن بالنسبة للراعين لهذا المشروع البحث  يتمتع بالأولوية المطلقة، بحيث تحشر الإشكاليات في منظومات منطقية عملية حتى لا يتعطل البناء النظري المعرفي الذي تفرزه التراكمات لهذا المسار.  من هنا يصبح البحث لا يقوده الفهم بل  حل الإشكاليات التي يفرزها تقدم الأبحاث

وهنا يصبح واقع البحث العلمي كما  قال كارل بوبر عبارة عن أفكار تصحح أخطاءها باستمرار. وكم هو محق عندما  يجزم أن العلم لا يملك الحقيقة بل يتوخاها من خلال ديناميتها في بحث دائم في نمو هذه  الحقيقة وتطورها" انظر كتاب  بورقونيو روني بوبفريس: عقلانيةبوبور النقدية ظمن السلسلة فيلوىساي الذي يشرف عليه بيار زاردير عن دار النشر ألليبس". تطور الحقبقة هوتطور لا نهائي .الحقيقة عندهم يجب أن لا تكون هدفا  فهي من جانب المنهجية  وليست في جانب الهدف الذي يحدد. فتوحات ما هي في الواقع إلا حلول أو أجزاء من حل لإشكالية مستعصية وليست بإضافة .

لايجب أن يفهم من كلامي هذا أني اعترض على العلم المخبر...أبدا .  ولكني أأخذ عليه تفرده بالإدعاء أنه يملك وحده الحقيقة ، وإنكاره على الثقافات الأخرى بناء منظومتها المعرفية من منطلقاتها ومن مرجاعياتها.

التقدم العلمي واقع ملموس لا ينكره ولا يجحد فضله أحد ولكن بما أن هذه الاكتشافات هي ظرفية ولا صلة لها بالحقيقة فنقدها لا يجب أن يؤخذ هذا على أنه Lèse majesté. فكل الحضارات المتعاقبة كونت كما هائلا من المعارف من خلاله تعاملت مع واقعها وحاولت فهم سر وجودها. هذا الكم من المعارف مر مع واضعيه ولم يبق منه إلا القليل الذي اقتبسته أو أخذته الثقافة الصاعدة ليكون  من أسس بناء منظومتها الذاتية . وما يعاب على العقل الغربي هو ظنه أنه قمة ما يمكن أن يصل له الفكر البشري .... وأنه أبعدما يكون في حاجةالى الآخر بل العكس تماما هو الصحيح بمعنى أن الثقافات الأخرى هي التي في أشد الحاجة له ...  ولكنه مثله مثل الثقافات السابقة سيمر وتبقى خرافاته يتندر بها كما يفعل هوبالثقات السابقة له والتي يصفها بالخرافية .

صياغة الوعي الإنساني الغربي من الخرافة والأسطورة الى الأسطورة

لنرى كيف تمت صياغة العقل الغربي منذ العهد الهليني عبر الأسطورة ونتتبع هذا التطور لنرى في الآخركيف أن الإنطلاق كان من الأسطورة... لننتهي في عصرنا هذا عصر التقدم العلمي الى اسطورة أخرى.

الأسطورة عند الإغريق وسيلة لفهم الطبيعة التي يعيش فيها الإنسان وسنأخذ مثال على ذلك اسطورة بروميثيوس... وأصبح الإنسان الغربي يعيش أسطورة مماثلة تتماما لكن هذه المرة بأدوات أخرى وتحت تعلات ومسميات أخرىولكن هذه المرة ليس لفهم الطبيعة بل لفهم سر الحياة وهذا عبر أسطورة الهندسة الجينية.

سوف نتتبع كيف أدى غياب الإيمان عند الهلينيين  للبحث عن معوض فوجدوه في الأساطير في الخيال... ونفس شيء كيف أدىتغييب الإيمان في الغرب الى تعويضه بأسطورة جديدة: الهندسة الجينية وهو بحق يمثل قمة الخيال... العلمي.

العقل لوعيه بذاته ينتج صناعة أدواته ،ومن ظمن هذه الأدوات الأسطورة. ولقد  تفتق خيال هوميروس على أسطورة بديعة عالج من خلالها انتقال الفرد البشري من آنيته الفطريةالى الإجتهاد : استخدام العقل. نظرة هوميروس للإنسان كانت  من نظرة الهليين له على أنه إنسان مخلوق، إنسان مصنوع، وعلى سبيل المثال فإن الأسطورة تقول أن البشر هم من صنع بروميثيوس . فحسب رواية هيزيود بروميثيوس خلق الجنس البشري من صلصال وتكلفت  أثينا ببعث الحياة فيه"أنظر منجد الميثيولوجيا لميكائيل غرانت و جون هازل . مكتبة مارابو .ص 306". فإذا كان اليونانيون حاكوا  صنعة الخالق فالغرب اليوم يعوض الخالق بالبحث عن سر الحياة عن طريق الهندسةالجينية. إذن الهلينيون ابتدعوا الشعور بالذاتية من خلال الأسطورة . كيف تم ذلك ؟ سرق بروموثيوس شعلة النور: الذكاء، من الآلهة وأصبح بذلك يتمتع بالقدرةعلى تحليل الإشارات والرموز . هذه الشعلة جاءت من من حدود العالم الروحي . والعالم الروحي يجب أن يفهم على أنه عالم الأموات لأنهم عالمهم البرزخيهم يجعلهم محيطون بأسرار الآلهة وكذلك قريبين من البشر. بهذا الفعل أصبح البشر يحاكي أفعال الآلهة وهذا ما جعله في الآخر يتمرد عليها. لذلك قرر" زوس "كبير الآلهة إنزال العقاب ببروموثيوس  لمده كائنات فانية دنيئة بجزء من القدرات الربانية. إذن عنوان وعي الإنسان بذاته هو اقتحام المجهول. تحديه هذا عوض عجزه الفطري فتعرى على  قدراته. شعلة النور هذه مكنت الإنسان من العلوم والمعارف والتقنيات التي ستغير مجرى حياتة الى درجة أنه إغتر بمقدراته...  ما سيجلب له أشد الويلات. وفعلا هذا ماحدث لبروميثيوس؟ سلط عليه كبير الآلهة "زوس" أشد العقاب حيث نفاه الى جبل وربطه على صخرة ينهش نسر الآلهة كبده  وأمعاءه وكلما تم نهشها نبتت من جديد. ولكن قبل هذا مكن بروموثيوس  البشر من تفجير طاقاتهم البناءة. وهكذا أعطتنا الأسطورة تصوره ، ما يجب عمله للخروج من البداءة أي التقليد الى الثقافة وبالتالي الى الحضارة الإبتكاروالإبداع .


مع عصر الأنوار انقلب الإهتمام من النظر للطبيعة لفهمها الى البحث في الطبيعة لتطويعها ، ولكن هذه المرة  الأمرأصبح  يهم الطبيعة الإنسانية...لتطويرها. وإذا كانت مقدرات الفرد مع الهلينيين يقع أخذها من الآلهة مع عصر الأنوار وقع الإغتناء عن الآلهة و اعتمد أولا على العقل ثم على المخزون الوراثي للإنسان . بهذا وضع الإنسان نفسه محور الكون ومركزه  ونصب نفسه مكملا لما عجزت الطبيعة عن انجازه  . من هنا جاء اعلان موت " الله " فالسماء من يومها  لم تعد تهم ولم يعد يتنظر منها شيئا بقدر ما أصبحت تهم الأرض بحيث أصبح الهدف كيفية تفاعل الكائنات الإنسانية كأفراد لهم القدرة على التحكم في الطبيعة بما فيها الطبيعة الإنسانية التي ستصبح هي بدورها مادة للدرس...من خلال الجينوم . لكن الإنسان في المنظور الهليني كان يعيد انتاج نفسه بأدوات منحه إياها الله ، أما  أنسان اليوم فهو يتمم ما لم تقدر الطبيعة على انتاجه من تميز. لذلك فهو يرى نفسه  مكمل لا مقلد وهكذا دحل الإنسان في عالم افتراضي غير واقعي وبذلك ومن حيث لا يدري وجد نفسة ينتج ميثولوجيا ...اساطيرلم تأت بجد يد لحد الآن ، فعوض  أبطال الملاحم بأبطال كرة الفدم والسينما ونجوم الفن ....الهابط  إعتمادا ليس على قدرات خارقة كانت تمنحها الآلهة بل على منشطاط ومخدرات تنتجها وتتحكم في رواجها المافيا .... خاصة . وأصبح الكل يعيش رهينة ما يتم انتاجه وتطويره .

ركائزالتطور التقني الذي فتح هذه الأبواب نظرية بحته مجردة من كل مرجعية لا فلسفية ولا دينية ولا أخلاقية فهي نتيجة تداعيات معرفية فرضها المنطق المتبع ولذا فهي أصبحت تعتبر سيمياء جديدة لسبر أغوار الكائن البيولوجي الذي يمثل في عقولهم كل الكائن . هكذا وقع اختزال الأبعاد الإنسانية في البعد البيولوجي بما أن النفس والعقل هما من أصل بيولوجي كذلك . وهكذا نجد أنفسنا أمام لغة مجازية جديدة لا أحد يفهم ولا يتحكم فيها ولا في حدودها بما أنه ليس بمستطاع أي أحد من العقلاء يقول لنا ماذا يريد وخاصة أين حدوده .

ماذا نتج عن هذا التمشي  الذي أصبح معتقد لايقبل النقاش؟ إلغاء  التنوع والثراء الذي يميز الثقافات ولا يحتفظ إلا "بأساطير التقدم والحداثه" كما يسميها روجيه قارودي في كتاب "حفاروا القبور". وهذه في اعتقادي أم الجرائم من أكبر الجرائم ضد الإنسانية .

يلخص قارودي في كتابه المذكور الفروض التي بنيت عليها هذه الأساطير في ثلاثة فروض : الفرض الأساسي الأول لديكارت "جعلنا أسيادا وملاكا للطبيعة"الطبيعة المختزلة في شكلها الميكانيكي .....الفرض الثاني لهوبز في تعريفه للعلاقة القائمة بين البشر : "الإنسان ذئب للإنسان " علاقة تنافس على الأسواق ....ثم الفرض الأخير لمارلوفي كتابه فاوست الذي أعلن فيه عن" وفاة الإله " . وهكذا عاد الغرب الى ما قبل ثورة ديكارت ولكن هذه المره من  طريق العقل المبتور من بعده الإيماني ، متجذرا في الشعار الذي رفعه مارلو:  أيها الإنسان ، عن طريق عقلك القوي ، تصبح إلها ... وأضيف إلاها لأسطورة جديدة .

وهنا يمكننا بيسر كبير تلخيص المسار الهليني الغربي المعاصر: خيال – عقل –خيال. يمكن أن يعاب علي وصف ما آلت إليه مسيرة الغرب ... بالخيالي هم الذين يقدمون أنفسهم على أنهم أمراء العقل بامتياز . لكن من يمكن أن يجزم لي أن هوميروس لما كان يصوغ أسطورته كان يظن أن الذي يصوغه هو مجرد خيال في خيال ... لذلك وجب انتظار عقول أخرى لكي تفهمه رمزيــــــــــا؟